-2

الفن بين الخيال والواقع

  • sky_6464

قد يجنح الكثيرون إلى اختزال الفن في مساحة ضيقة، واصفين إياه بأنه مجرد ترف بصري أو متعة هامشية تفتقر للقيمة الحقيقية. غير أن هذا المنظور يغفل عمق التأثير الجوهري للفن في تشكيل التجربة الإنسانية؛ إذ يمثل الفن محركًا نفسيًا وإدراكيًا فائق الأهمية.

ولعل خير ما يبرهن على ذلك في ميدان علم النفس الطبي، دراسة شهيرة تُعرف بـ (Beautiful vs. Ugly Room Study). انطلق خبير هذه التجربة من فرضية مفادها أن "الاحتياجات الجمالية" تمثل جزءًا أصيلًا من الطبيعة البشرية، وأن جودة البيئة المحيطة تنعكس بصورة مباشرة على الحالة النفسية والذهنية للمرء، حتى دون وعي منه.

قُسِّمت التجربة إلى ثلاث غرف متباينة:

* الغرفة الأولى: واحة جمالية منسقة، مجهزة بأثاث فاخر وسجاد وثريات ولوحات فنية راقية.

* الغرفة الثانية: بيئة نمطية متوسطة، تحتوي على أثاث نظيف وتقليدي، لا قبح فيها ولا إبهار.

* الغرفة الثالثة: مساحة كئيبة صُممت لتبدو كمخزن للمهملات؛ جدرانها رمادية داكنة، وبها مصباح مكشوف يعلوه غطاء متسخ وممزق، فضلًا عن أثاث متهالك وفوضى عارمة.

أُجريت التجربة على مجموعة من المشاركين طُلب منهم تقييم صور لوجوه بشرية أثناء مكوثهم في هذه الغرف. وجاءت النتائج مذهلة؛ إذ مال القابعون في "الغرفة الأنيقة" إلى رؤية الوجوه بأبعاد أكثر حيوية وإيجابية، مما عكس ارتياحهم النفسي. في المقابل، أصيب المتواجدون في "الغرفة القبيحة" بأعراض بدنية ونفسية كالتعاب والإرهاق والصداع، بل إن الباحثين المشرفين على التجربة أنفسهم انتقلت إليهم عدوى التوتر والصداع جراء مكوثهم في تلك البيئة الكئيبة.

تستوقفنا هذه التجربة عند حقيقة مفادها أن النطاق المكاني يمتلك سلطة خفية على مشاعرنا؛ فالبيئة المنظمة والجمالية تحفز مكامن الإيجابية، بينما الفوضى والقبح يستنزفان الطاقة النفسية.

وفي السياق ذاته، نجد ملمحًا تطبيقيًا آخر في دراسة "تأثير البيئة الاستشفائية" لعالم النفس البيئي روجر أولريش. قام أولريش بفحص السجلات الطبية لمرضى خضعوا لعمليات جراحية متطابقة في مستشفى واحد، حيث وُزعوا على غرف متماثلة تمامًا، باستثناء إطلالة النافذة:

* المجموعة الأولى: تطل نافذتهم على منظر طبيعي وارف الأشجار وخضرة مريحة للعين.

* المجموعة الثانية: تقابل نافذتهم جدارًا مصمتًا من الطوب الرمادي الباهت.

أظهرت النتائج أن مرضى الغرفة الأولى تماثلوا للشفاء بسرعة أكبر، وغادروا المستشفى مبكرًا بمعدل يوم كامل، كما قلّت حاجتهم إلى مسكنات الألم القوية مقارنة بالمجموعة الثانية، وسجلت الممرضات ملاحظات إيجابية للغاية حول استجابتهم النفسية. تبرهن هذه المعطيات على أن الفضاء المحيط ليس مجرد مشهد عابر، بل هو عامل علاجي يعزز الوظائف الحيوية ويسرع التعافي.

وهنا يبرز التساؤل الفلسفي: ما علاقة هذه التجارب بالفن، والخيال، والواقع؟

إن القاسم المشترك في هاتين الدراستين هو "الجمال البصري" وتنسيق الفراغ؛ فالسياق الجمالي والديكور، وحتى محاكاة الطبيعة، كلها تمظهرات تندرج تحت مفهوم الفن بمفهومه الواسع كأداة لتنظيم الفوضى وصناعة الانسجام.

وإذا أردنا البحث عن الرابط بين الواقع والخيال، فإن الإجابة المباشرة قد تحيلنا إلى "العقل" كجسر منطقي يربط الأفكار بالواقع. لكن لو نظرنا بمنظور ما وراء الأشياء (الميتافيزيقيا)، لوجدنا أن الفن هو الجسر الحقيقي؛ فهو الذي يجسد الخيال ليعيد صياغة الواقع. بناءً على ذلك، يمكننا تصنيف المبدعين إلى فئتين متكاملتين:

1. المبدعون الحسيون: وهم الذين يستلهمون نتاجهم مما تلتقطه حواسهم الخمس (الرؤية، السمع، اللمس)، فيعيدون صياغة الواقع ببراعة ومحاكاة مذهلة.

2. المبدعون الحدسيون: وهم الذين يغوصون في أعماق التفكير والتحليل، مجسدين في لوحاتهم تفاصيل خيالية مركبة، قد تبدو غامضة أو سريالية للبعض، لكنها تحمل في طياتها دلالات نفسية، وفلسفية، وقضايا إنسانية عميقة.

ورغم ما قد يبدو من تعارض بين هذين الأسلوبين، إلا أنهما يشكلان ثنائية متكاملة تمنح الفن بعده الجوهري كترجمان للخيال في أرض الواقع. علماً بأن الفن لا ينحصر في الرسم وحده، بل يمتد ليشمل الشعر، والكتابة، والتصميم المعماري، وحتى لغة الأرقام التي يرى البعض في تناسقها وهندستها فنًا خالصًا يبعث على الراحة النفسية.

وفي المحور الثاني، يبرز تأثير الفن التاريخي في مواجهة منتقديه؛ فالبعض يرى خطأً أن الفنون البصرية المعاصرة لا تقدم نفعًا ماديًا للأوطان، وهو حكم ناتج عن قصور مَعرفي بتأثير الفن التراكمي. فـلولا الفن، لظلت الحضارات القديمة طي النسيان. إن الرسومات والنقوش على جدران المعابد هي التي حفظت لنا أساليب عيش السلف الحكيم، كالحضارة المصرية القديمة التي تميزت بنحتها وفنها العقائدي الرصين، محققةً توازنًا يضاهي صنيع عمالقة النحت عبر العصور.

ختامًا، يمتد جذر الفن إلى ما قبل وجود الإنسان العاقل (Homo sapiens)؛ إذ تشير الحفريات في كهوف إسبانيا إلى وجود رسوم تعود لنحو ستين ألف عام، خطتها يد إنسان "النياندرتال"، مما يعكس أن النزوع نحو التعبير الفني حاجة وجودية سبقت التطور البشري الحديث.

لذلك، حتى وإن ظل البعض غير مقتنع بقيمة الفن، فلا يمكنه إنكار الحقيقة التاريخية بأن الفن هو العملة الروحية والمعرفية الأقدم التي قادت البشرية نحو التطور والاستكشاف.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش