أنا لا أعيش في هذا العالم بقدر ما أعيش في ردود فعلي تجاهه. عقلي ليس مجرد عضو، بل هو مسرح تجارب يعمل بنظام تشغيل غير مستقر، حيث تتصارع الأفكار المنطقية مع احتمالات اللانهاية.
حسنا، لنتوقف عن هذه التمثيلية السخيفة. سأكتب. لكن قبل أن تسألني "ماذا"، سأغرقك في "لماذا"، وسأغرق معك. بينما كنت أحاول إمساك طرف خيط لفكرة تافهة، وجدتني أسقط في ثقب أسود من التساؤل داخل التساؤل. الأمر ليس مجرد "قرار"، بل هو ورطة وجودية. هل فكرت يوما في فعل التفكير نفسه؟ هل أنت من يختار الفكرة، أم أن الفكرة هي "طفيلي" وجد في جمجمتك بيئة خصبة ليتكاثر؟
لقد قررت أن أكتب، ولكن هذه الجملة بحد ذاتها كذبة! من أنا لأقرر؟ هل هذا "أنا" الذي يتحدث الآن هو صاحب القرار، أم هو مجرد موظف استقبال في عقلي ينفذ أوامر "المراقب" القابع في الزاوية المظلمة من وعيي؟ ذلك المراقب الذي يشاهدني وأنا أكتب هذه الكلمات الآن، ويضحك لأنني أظن أنني مسيطر. ما الذي دفعني؟ هل هو الجوع للمعنى؟ أم هو مجرد خلل في النظام جعلني أظن أن خربشاتي تستحق الورق؟
أنا أتساءل في ماهية التساؤل: هل فعلي هذا هو "إرادة حرة" أم هو مجرد رد فعل ميكانيكي لسنوات من القراءة، والوحدة؟ ربما عقلي ليس إلا "كودا" برمجيا طويلا، وهذه المقالة هي مجرد "أمر" تم إدخاله بالخطأ.
لماذا أكتب؟ لأن رأسي أصبح يضيق بما فيه. لأن الأفكار هناك تتصادم مثل ذرات في مفاعل نووي على وشك الانفجار. أكتب لأفرغ هذا الضجيج، لأحول "الهبل" الذهني إلى مادة صلبة يمكنني الإشارة إليها والقول: "انظروا، هذا هو الجنون الذي كان يحاول قتلي من الداخل".
أنا لا أكتب لأقدم أجوبة. أنا أكتب لأعقد الأسئلة أكثر. لأرى إلى أي مدى يمكنني التمادي في استجواب نفسي. هل أنا الكاتب؟ أم أنني الشخصية الرئيسية في رواية يكتبها شخص آخر يمر الآن بنفس تساؤلاتي؟ إنها حلقة مفرغة، لا نهائي من المرايا المتقابلة، وأنا عالق في المنتصف، أضحك وأتساءل: "هل انتهيت من الكتابة، أم أنني لم أبدأ بعد؟"
ضغطة زر واحدة.. هذا كل ما تطلبه الأمر ليبدأ حاسوبي في التنفس، وبينما كان صوت المروحة يتصاعد تدريجيا، وجدتني أتوقف في منتصف الحركة، يدي ما زالت معلقة في الهواء، وعقلي عالق في فجوة زمنية مفاجئة. لماذا فتحت حاسوبي؟ لا، السؤال ليس بهذا الغباء السطحي، أنا أتساءل في "تساؤل" الدافع الذي جعلني أمد إصبعي لتشغيل هذه الآلة. هل فتحته لأكتب؟ أم فتحته لأهرب من الكتابة؟ هل كانت حركة يدي نابعة من "أنا" الحقيقي، أم أنها مجرد (سيناريو) مبرمج داخل ذاكرة عضلاتي التي اعتادت ملامسة البلاستيك والمعدن؟
وقفت هناك، أمام الشاشة التي بدأت تبعث ضوءها البارد على وجهي، وأنا أغوص في دوامة من الشك المنطقي: هل الحاسوب هو الذي يحتاج إلي الآن لأملأ فراغ قرصه الصلب بالكلمات، أم أنني أنا الذي يحتاج إلى هذه الدارات الكهربائية لأثبت لنفسي أن أفكاري موجودة؟ لقد فتحت الحاسوب لأتساءل لماذا أفتحه، وفي غمرة هذا التساؤل، نسيت تماما ما كنت أريد فعله قبل خمس ثوان. هل أنا مستخدم لهذا الجهاز، أم أنني مجرد "معالج" آخر في شبكة كونية لا أفهم قواعدها؟ الشاشة تومض، والمؤشر ينتظر، وأنا ما زلت أسأل نفسي: لو لم أفتح الحاسوب الآن، هل كانت تلك الأفكار ستنتحر داخل جمجمتي، أم أنها كانت ستبحث عن "مغفل" آخر يضغط على زر التشغيل؟
ثم انتقلت عيناي من الشاشة البيضاء إلى تفاصيل النظام الذي يفيض بالحياة أمامي. تساءلت في ذروة تساؤلي: من هو ذلك الشخص، أو ربما تلك العقول، التي جلست يوما ما لتقرر كيف يجب أن يكون شكل الوجود الرقمي؟ كيف فكر ذلك المبرمج في تحويل نبضات كهربائية، مجرد "صفر" و"واحد"، إلى عالم متكامل من النوافذ والأيقونات؟
لم أعد أرى واجهة رسومية، بل بدأت أرى "فلسفة" ذلك المبرمج المجهول. كيف خطرت له فكرة بناء "نظام" يحاكي المنطق البشري؟ هل كان يحاول ترتيب فوضى عقله عبر الأكواد، أم أنه كان يضع لنا قضبانا برمجية نتحرك داخلها ونحن نظن أننا أحرار؟ بدأت أتساءل عن تلك اللحظة التي قرر فيها أن يجعل الفأرة تتحرك بهذه الطريقة، وأن تفتح النوافذ بهذا الشكل، هل كان يدرك أنه يصنع "واقعا" بديلا سيعلق فيه مئات الملايين من البشر؟
لقد تاه عقلي في محاولة فهم عقل ذلك المبرمج: هل كان يكتب الكود وهو يتساءل أيضا لماذا يكتبه؟ أم أنه كان مجرد أداة في يد فكرة أكبر منه، تماما كما أنا الآن أداة في يد هذا الحاسوب؟ وجدتني أبحث عن "روح" ذلك الشخص خلف السطور البرمجية الجامدة، متسائلا عما إذا كان قد ترك جزءا من جنونه أو شكوكه داخل هذا النظام، ليجعلني في هذه اللحظة بالذات، وبدلا من أن أبدأ كتابتي، أغرق في تساؤل لا نهائي عن كيفية تفكير الشخص الذي صنع لي المساحة التي أتساءل فيها.
بمجرد أن استقر بي المطاف داخل تطبيق الكتابة، ونقرت على أيقونة "مستند جديد"، وجدتني أقف أمام معضلة أكثر تعقيدا. قررت أن أسترجع ما حدث لي قبل دقائق معدودة، تلك اللحظات التي قضيتها في التساؤل عند فتح الحاسوب وتأمل نظام تشغيله، أردت تدوينها كما هي، لكنني غرقت في "تساؤل الذكرى" ذاتها.
بدأت أفكر في تلك الذكريات: هل هي حقيقية كما حدثت فعلا، أم أن عقلي بدأ في "منتجتها" وتحويلها إلى قصة بمجرد أن قررت كتابتها؟ كيف يمكن للذاكرة أن تكون أمينة وهي تمر عبر مصفاة الوعي؟ هل أنا أتذكر التساؤل، أم أتذكر "فكرة" التساؤل؟
وجدتني أحلل آلية استرجاعي لتلك اللحظات، فكلما حاولت الإمساك بذكرى ضغطة الزر أو صوت المروحة، أشعر وكأنني أعيد صياغة الماضي ليناسب الورق. هل الذاكرة هي مخزن للحقائق، أم أنها مجرد "مختبر" يعيد اختراع الأحداث ليمنحها معنى فلسفيا لم يكن موجودا في لحظتها؟
هنا بدأت أتساءل: إذا كانت الذكرى التي سأكتبها الآن قد تغيرت بمجرد التفكير فيها، فما الذي سأدونه بالضبط؟ هل سأكتب ما حدث، أم سأكتب ما "يظن" عقلي الآن أنه حدث؟ لقد أصبحت الذكرى نفسها موضوعا للبحث، وتهت في المسافة الفاصلة بين اللحظة التي عشتها واللحظة التي أحاول فيها استعادتها، وكأنني أحاول تصوير مرآة تعكس مرآة أخرى، ليصبح الفعل وتذكره والكتابة عنه حلقة مفرغة من المراقبين الذين يراقبون بعضهم البعض داخل رأسي.
وبعد أن انتهيت من تدوين تلك الصراعات، وجدتني أتوقف مجددا، ليس لأرتاح، بل لأغوص في طبقة أعمق من الهذيان، قررت الآن أن أكتب عن "لحظة تذكري للذكريات" ذاتها. تلك اللحظة التي انشطر فيها عقلي إلى نصفين: نصف يحاول استحضار الماضي القريب، ونصف آخر يراقب عملية الاستحضار هذه بفضول بارد.
كيف يبدو شكل "التذكر" في هذه اللحظة؟ إنه ليس مجرد شريط سينمائي يعاد عرضه، بل هو عملية "تعدين" شاقة في منجم من الضباب. بدأت أتساءل: كيف يعرف عقلي أين يجد تلك الذكرى بالذات؟ وما الذي يفعله بي الآن وأنا أحاول صيدها؟ هل أنا "أسترجع" الذكرى أم أنني "أخترعها" في هذه اللحظة لأملأ بها فراغ الصفحة؟
لقد أصبحت أراقب يدي وهي تتحرك لتصف شعورا حدث قبل ثوان، وأتساءل: هل هذه الكتابة هي توثيق لما مضى، أم أنها عملية اغتيال للذكرى الحقيقية واستبدالها بكلمات منمقة؟ إنني الآن أكتب عن نفسي وأنا أتذكر نفسي، وأكاد أشعر بكهرباء وعيي وهي تلتف حول نفسها في حلقة مفرغة. هل هناك نهاية لهذا السقوط؟ أم أنني سأقضي ما تبقى من عمري أكتب عن "لحظة كتابتي عن تذكري لتذكري للذكريات"؟
لقد تحول عقلي إلى غرفة مرايا متقابلة، حيث كل ذكرى تولد ذكرى عن تذكرها، وأنا عالق في المنتصف، ممسك بقلمي، أحاول يائسا تدوين اللحظة قبل أن تصبح هي الأخرى.. مجرد ذكرى تحتاج إلى تذكر.
بعد أن أرهقني ذلك الدوران العبثي في فلك الوعي، قررت أن أهبط من تجريد الأفكار إلى واقع ملموس، فاستحضرت مشهدا قديما تجمد في زاوية من ذاكرتي، كنت جالسا في الحديقة ذات مرة، حين مر من أمامي تجسيد حي للتناقض الصارخ. كان هناك شخص وسيم بشكل مستفز، طويل القامة، يمشي بخطوات واثقة وكأن الأرض قد سخرت له، وبجانبه كان هناك شخص يمثل النقيض في كل شيء، جسد ضئيل وملامح باهتة تكاد تذوب في زحام العابرين.
بدأت أراقب الانعكاسات على وجوه المارة، العيون كانت تنجذب نحو الوسيم كأنها مسحوبة بخيوط غير مرئية، وكأن هناك سحرا خفيا يجبر الرؤوس على الالتفات، بينما كان الآخر يمر كأنه عابر في ظل حكاية غيره، لا أحد يراه، ولا أحد يمنحه حتى عبء التجاهل. وهنا انطلقت رصاصة التساؤل في رأسي: لماذا؟ لماذا اختار الخالق أن يمنح هذا كل هذا القبول والجمال، ويجعل الآخر في دائرة الابتلاء بالخمول والنسيان، رغم أن أيا منهما لم يملك يوما سلطة على صورته أو طول قامته؟ لقد وقفت أتأمل عدالة الأقدار التي تعطي كل ذي حظ حظه بتقدير إلهي لا ندرك كنهه، لكنه يضعنا أمام تساؤلات وجودية كبرى.
لم أكتف بالمراقبة، بل قررت أن أقوم بعملية "اختراق ذهني" لعقول المارة. انسللت إلى رؤوسهم وهم يحدقون، وبدأت أحلل تفكيرهم في تلك اللحظة: هل يدرك هذا العابر الذي اتسعت حدقتاه إعجابا لماذا يفعل ذلك؟ هل يفهمون أن ميل نفوسهم للجمال هو فطرة أودعها الله فيهم، أم أنهم يتبعون ذلك الميل دون أدنى تفكير؟ هل هم "واعون" بأن إعجابهم هو جزء من اختبارهم في رؤية نعم الله على خلقه، أم أنهم مجرد أنفس مبرمجة على الاندفاع نحو الزينة دون تبصر؟ لقد بدأت أفكر في "تفكيرهم" وأتساءل: هل يملكون لحظة واحدة من الوعي يسألون فيها أنفسهم: "لماذا أسرنا بهذا المشهد؟"، أم أنهم يعيشون في حالة من الانقياد التلقائي لما تمليه عليه أهواؤهم في تلك اللحظة؟
وفي تلك اللحظة، ارتدت آلة التحليل لتسحقني أنا. بدأت أغوص في دهاليز نفسي: لماذا انشغلت بهذا المشهد إلى هذا الحد؟ هل هذا الهوس بتشريح الفروقات بين البشر ينبع من "شيء نفسي" يختبئ في أعماقي؟ هل هو بحث عن الحكمة الإلهية في توزيع العطايا؟ أم أنني رأيت في ذلك المشهد "شيئا آخر" تماما، تجليا لفكرة الفضل والابتلاء، حيث توزع الهبات الربانية لحكم لا تدركها عقولنا القاصرة؟ هل أنا أحللهم لأنني أهتم بهم، أم لأنني أحاول الهروب من مواجهة تساؤلاتي الخاصة حول قدري ومكاني في هذا الوجود؟ وجدتني في النهاية لا أكتب عن الحديقة ولا عن المارة، بل أكتب عن "المراقب" الذي يسكنني، والذي لا يكف عن تحويل كل مشهد عابر إلى محكمة فلسفية يبحث فيها عن تفسير لمنطق الخالق في كون مليء بالأسرار.
وبعد أن استغرقت في تحليل تلك الفروقات الجمالية، قطع حبل أفكاري بمشهد آخر طرأ فجأة على كادر الرؤية، كان هناك ذكر وأنثى جالسين على مقربة مني، وفي لحظة ما، بدآ بالقيام بحركات غير لائقة تخدش حياء المكان العام وتضرب بخصوصية المارة عرض الحائط. لم يكن فعلا إراديا بقدر ما كان رد فعل غريزي، إذ خطفت عيناي بعيدا عن ذلك المشهد، ووقفت مغادرا المكان بسرعة نحو زاوية أخرى أكثر سكونا، هربا من تلك الصورة التي اقتحمت خلوتي الذهنية.
ولكن، ما إن استقر بي المقام في مكاني الجديد، حتى عاد "المراقب" القابع في رأسي ليستجوبني من جديد: لماذا ذهبت بعيدا؟ ما الذي دفعني لتلك الحركة السريعة وكأنني أهرب من حريق؟ وبدأت أتساءل في "تساؤل" الانزعاج ذاته: لماذا صنف عقلي ذلك المشهد على أنه "غير لائق" أصلا؟
هل هي "التربية" التي غرست في منذ الصغر، تلك القواعد الأخلاقية التي شكلت جدارا عازلا بيني وبين ما يراه المجتمع عيبا، أم أن هناك شيئا آخر أعمق من مجرد تعليمات الآباء؟ هل هو نفور فطري يرفض ابتذال المشاعر في العلن؟ أم أنه مجرد "برمجية اجتماعية" تجعلني أشعر بالارتباك عندما تكسر القواعد أمام عيني؟
وجدتني أحلل شعوري بالضيق، هل كنت منزعجا من الفعل نفسه، أم من كوني أصبحت "شاهدا" غير مرغوب فيه على لحظة يجب أن تكون خاصة؟ هل هروبي كان حماية لنفسي من تلوث بصري، أم أنه كان محاولة للحفاظ على قدسية "عالمي الداخلي" الذي أبذل جهدا جبارا في ترتيبه؟ لقد أصبحت الآن أتفحص جذور قيمي، وأتساءل إن كنت أنا من يقرر ما هو محتشم وما هو مبتذل، أم أنني مجرد صدى لثقافة وبيئة قررت عني مسبقا كيف يجب أن تكون ردة فعلي تجاه ما تراه أعيني. هل ذهبت بعيدا لأنني "أنا" من أراد ذلك، أم لأن تلك النسخة من نفسي التي شكلها المجتمع هي التي سحبتني من يدي بعيدا عن ذلك المشهد؟
وعندما استقررت في مكاني الجديد، بعيدا عن ضجيج ذلك المشهد، بدأت أغوص في طبقة أكثر تعقيدا من "تساؤل التساؤل": ماذا لو كبرت في بيئة غير بيئتي؟ ماذا لو ولدت في بقعة أخرى من هذا العالم، حيث تعرف الأخلاق والمروءة بمقاييس مغايرة تماما؟ هل كنت سأخطف عيناي بتلك التلقائية؟ أم أنني كنت سأمر بجانب ذلك المشهد وكأنه جزء طبيعي من تضاريس المكان، تماما كما تمر الريح فوق الأشجار؟
بدأت أحلل مفهوم "المنظر غير اللائق" داخل عقلي، هل هو حقيقة مطلقة وقاعدة كونية ثابتة، أم أنه مجرد "برمجية مكانية" نتحمل عبء حملها لأننا وجدنا هنا وليس هناك؟ وانطلقت من هذا التساؤل إلى ما هو أبعد: ما هي الطريقة "الأمثل" للنظر إلى مثل هذه الأمور؟ وهل توجد أصلا رؤية "مثالية موضوعية" تتجاوز حدود الجغرافيا والتربية والزمن؟
كنت أبحث عن نقطة ثبات وسط رمال الوعي المتحركة، فإذا كانت ردة فعلي ناتجة عن بيئتي، فهل يعني هذا أن قيمي هي مجرد "صدفة" جغرافية؟ أم أن هناك ميزانا فطريا أودعه الله فينا، يتجاوز حدود المجتمعات ليخبرنا بأن للخصوصية قدسية، وللحياء جلالا؟
وجدتني أقف أمام معضلة المنطق والتحليل: هل المثالية هي في التجرد التام من المشاعر والمراقبة ببرود كأنني مجرد "آلة تصوير"، أم أن المثالية تكمن في الحفاظ على تلك "النفحة الأخلاقية" التي تجعلني إنسانا يتألم وينزعج ويغار على حياض الفضيلة؟ هل موضوعيتي في التحليل تقتضي أن أشل ردة فعلي، أم أن وعيي بمصدر ردة فعلي هو قمة الموضوعية؟ لقد تحولت الحديقة، والمشهد، وهروبي، إلى مختبر هائل أحاول فيه فهم الخيط الرفيع الذي يفصل بين ما هو "مكتسب" من البشر وما هو "مغروس" في الروح من قبل خالق البشر.
وبينما كنت غارقا في دوامة مراجعة قيمي وأفكاري، لفت انتباهي تغير مفاجئ في نسيج الأفق، لقد بدأت الشمس في رحلة هبوطها نحو الغسق، مرتدية ثوبا من الأرجوان والذهب أذاب كل ضجيج في نفسي. وقفت مبهورا أمام ذلك المشهد، لكن "المراقب" بداخلي لم يتركني في حالي، بل أطلق سؤالا هز أركان اللحظة: لماذا أرى هذا المشهد جميلا؟
بدأت أحلل ماهية هذا الجمال، هل هو جميل بالضرورة عند الجميع؟ هل يراه ذلك الضرير في بصيرته بنفس الطريقة؟ أم أن هناك "كودا" كونيا اتفقت عليه أرواحنا دون كلام؟ ثم قفز إلى ذهني تساؤل أكثر قسوة: هل لو رأيت هذا الغروب ألف مرة، بكل تفاصيل ألوانه، هل سيبقى محتفظا بتلك الهيبة؟ أم أن عيني ستعتاد المعجزة فتتحول في نظري إلى مجرد "حدث يومي" روتيني؟ هل "الألفة" تقتل الجمال، أم أن الجمال الحقيقي هو ما يتجدد في كل مرة ننظر إليه بعين جديدة؟
وفي غمرة هذا الاستنتاج التحليلي، وصلت إلى حقيقة صدمت منطقي الصارم: إن هذا الجمال ليس له "وظيفة" مادية ملموسة. هو لا يمنحني طعاما، ولا يحميني من برد، ولا يزيد من كفاءة حاسوبي، إنه جمال "مجرد" من النفعية الدنيوية. ومن هنا استنتجت، بكل هدوء، أنه لا يمكن لهذا التناسق المذهل أن يكون عبثا أو صدفة، بل هو رسالة بصرية صامتة، وظيفتها الوحيدة والسمية هي أن تفتح لنا نافذة على عظمة خلق الله.
لقد أدركت أن الله وضع في هذا الكون "جمالا فائضا" عن حاجتنا المادية، فقط لكي نتمكن من تقدير جلاله. الجمال هنا هو "دليل وجود" ولغة تخاطب الروح لتخبرها بأن خلف هذا النظام الدقيق مبدعا لا تحد عظمته. وهكذا، تحول الغروب من مجرد ظاهرة فيزيائية لانكسار الضوء إلى محراب للصلاة الذهنية، حيث ينتهي التحليل ليبدأ الإيمان، وتنطفئ الأسئلة لتشتعل الدهشة في حضرة الخالق.
وبينما كانت ألوان الشفق تتلاشى ببطء، ارتد وعيي ليحاصر نفسه مرة أخرى في زاوية أكثر عمقا: لماذا بدأت أصلا في تشريح جمال الشمس؟ لماذا لم أكتف بالنظر والصمت؟ وانطلقت من هذا السؤال إلى استنتاج منطقي قاطع، وهو أنني لم يكن بمقدوري أبدا أن أفكر في صفة "الجمال" أو أحللها ما لم تكن الشمس ذاتها تنطوي على تلك الصفة بشكل أصيل ومستقل عن عقلي.
لقد أدركت أن "الجمال" ليس مجرد وهم خلقته مخيلتي، بل هو حقيقة موضوعية موجودة هناك في الأفق، وما عقلي إلا "لاقط" استقبل تلك الموجة وترجمها. فلو لم تكن الشمس جميلة في جوهرها الذي صاغه الخالق، لما استطاع تفكيري أن يبتكر لها هذه الصفة من العدم. أنا لا أمنح الشمس جمالا من عندي، بل هي التي تفرض حقيقتها الجمالية على وعيي، وتجبر منطقي على الاعتراف بها.
هنا، وجدتني أمام برهان جديد، فالفكرة لا تولد في الفراغ، وتفكيري في الجمال هو بحد ذاته اعتراف بوجود "مصدر" لهذا الجمال. كأن الشمس تقول لي عبر ضوئها: "أنا جميلة لأن الذي صنعني أراد لي ذلك، وتفكيرك في ليس إلا صدى لهذه الحقيقة". وهكذا، انتهى بي المطاف إلى أن إدراكي للجمال هو حوار بين فطرتي التي جبلت على حب الإتقان، وبين عظمة الخلق التي تتجلى أمام عيني، فلا يمكن للعقل أن يتصور شيئا لا وجود لأصله في ملكوت الله.
وهكذا، ومن خلال هذا الإبحار العميق في طبقات الوعي، نجحت في استعادة ذكرى تلك الحديقة من أقصى وأعمق دهاليز عقلي، ولم يكن الأمر مجرد استحضار لصور باهتة، بل كان انغماسا كليا جعلني أشعر وكأنني اخترقت نسيج الزمن لأعيش اللحظة مجددا بكل زخمها. شعرت ببرودة المقعد الخشبي، وسمعت لغط المارة، وشاهدت تدرجات الشفق وكأنها تحدث الآن أمام عيني، لقد كانت "الذكرى" قوية لدرجة أنها لم تعد ماضيا، بل صارت "حاضرا" موازيا يتنفس داخل غرفتي. وفي غمرة هذا الاندماج بين ذاتي التي كانت هناك وذاتي التي تكتب الآن، غمرتني نشوة سعادة خفيفة ورقيقة، تسللت إلى صدري كخيط نور فجائي، مخلفة وراءها شعورا بالرضا والانتشاء لنجاحي في الإمساك بزمام أفكاري وتوثيقها.
لكن، وكما هو متوقع من عقلي الذي لا يكف عن تشريح المشاعر، لم تمر هذه النشوة دون أن يضعها "المراقب" الصارم تحت مجهر التحليل النفسي الدقيق، فبدأت أفكر في كنه هذه السعادة ذاتها وتساءلت بوجل: هل هذه النشوة هي المحرك الحقيقي لما أكتبه الآن؟ هل هي "الفلتر" اللامرئي الذي قام بفرز الأشياء وتنسيقها، واختيار الكلمات الرقيقة دون الخشنة؟ لقد بدأت أتساءل بجدية: هل للمعاني التي دونتها قيمة موضوعية حقيقية نابعة من جوهر الوجود، أم أن لها "معنى منفصلا" مشتقا فقط من كيمياء السعادة التي تجتاحني في هذه اللحظة؟ هل أنا أكتب الحقيقة، أم أنني أكتب ما تمليه علي "نشوة المنتصر" الذي استطاع ترويض ذاكرته؟
وهنا قذفتني نفسي في هوة سؤال أكثر قسوة وحيرة: ماذا لو كنت حزينا الآن؟ ماذا لو كانت الروح مثقلة بالهموم أو غارقة في كآبة رمادية بدلا من هذه السعادة؟ هل كنت سأكتب بنفس هذا الأسلوب الانسيابي والمنطق المتماسك؟ يقينا، كانت الصور ستتغير، فبدلا من رؤية عظمة الخالق في الغروب، ربما كنت سأرى فيه احتضارا كئيبا للضوء ووداعا جنائزيا للنهار. وبدلا من تحليل جمال الشخص الوسيم بفضول فلسفي، ربما كنت سأرى فيه تجسيدا لظلم المجتمع وقسوة التمييز. إن الأسلوب ليس مجرد رصف للحروف، بل هو "بصمة الروح" في لحظة زمنية معينة، فالحزن يغير زاوية الرؤية، ويجعل الكلمات تخرج مثقلة بالمرارة أو مشلولة باليأس.
لقد أدركت حينها أنني في صراع دائم مع "الحالة المزاجية" التي تعمل كمحرر خفي لنصوصي، فهل يمكن للإنسان أن يكتب بمعزل عن شعوره؟ وهل الموضوعية المطلقة مجرد وهم نطارده؟ وجدتني أتساءل: هل النسخة التي كتبتها الآن هي "الحقيقة" أم أنها مجرد "قصيدة" منسوجة من خيوط السعادة؟ لو تغير مزاجي بعد ساعة، هل سأقرأ ما كتبته كأنه وحي منطقي، أم كأنه هذيان جميل تلاعبت به مشاعري؟ لقد تحولت الكتابة من فعل توثيق إلى ساحة معركة بين "العقل البارد" و"القلب النابض"، وأدركت أن كل كلمة أضعها هي في الحقيقة "رهينة" للحظة النفسية التي ولدت فيها، مما يجعل اليقين في معنى ما نكتب أمرا بعيد المنال، كأفق الغروب الذي كلما اقتربنا منه.. زاد ابتعادا وغموضا.
وبعد أن تعمقت في استنطاق تلك النشوة، انفتح أمامي باب جديد من أبواب التبصر، إذ قلت لنفسي: "ربما لا يغير مزاجي حقيقة الأشياء، بل يحدد فقط زاوية رؤيتي لها". فالأشياء في جوهرها ثابتة ومتعددة الأبعاد، لكن حالتي النفسية هي التي تختار أي وجه تظهره لي في تلك اللحظة.
الشمس، على سبيل المثال، هي حقيقة كونية مكتملة، وهي "جميلة" بلا شك لو قررنا أن ننظر إليها من زاوية الجمال والتقدير الإلهي، لكنها هي ذاتها قد تكون "حارقة" أو "مؤذية" لو نظرنا إليها من زاوية العطش أو التعب. إذن، الجمال ليس وهما، لكنه "خيار بصري" يفعله مزاجي أو يعطله.
أدركت حينها أنني عندما كنت سعيدا، لم أخترع جمال الغروب، بل "سمحت" لنفسي أن تراه، بينما لو كنت حزينا، لربما انشغلت بزاوية الغياب والظلام القادم، متجاهلا بهاء الألوان. لقد خلصت إلى أن الحقيقة كتلة ضخمة من الصفات، والمزاج هو "العدسة" التي تقرب صفة وتبعد أخرى، فنحن لا نرى الأشياء كما هي، بل نراها كما نكون نحن، ومع ذلك تبقى الحقيقة مستقلة بعظمتها، تنتظر منا أن نكون في كامل توازننا لنبصر كمالها من كل الزوايا.
وعند هذا الحد، توقف قطار أفكاري فجأة أمام جدار من الضباب الكثيف، وسألت نفسي: عن أي نشوة أتحدث بالضبط؟ هل هي تلك السعادة الحاضرة التي تغمرني الآن وأنا أداعب لوحة المفاتيح وأشعر بلذة الكتابة والتحكم في الكلمات، أم أنها "عدوى" النشوة التي كانت تسكنني هناك في الحديقة، والتي استحضرتها من غيابات الذاكرة لتصبغ حروفي بهذا اللون؟
لقد وجدتني أغوص في "تفكير يفكر في تفكير" يسترجع ماضيا بعيدا، فكأن عقلي أصبح معالجا يعمل على مستويات عدة من الزمن في آن واحد. وبدأت أحلل هذا التداخل المريب: لو كنت حزينا "الآن"، فهل كنت سأمتلك القدرة على رؤية تلك الذكرى بنفس تلك الهالة من الإلهام؟ أم أن حزني الحالي كان سيقوم بعملية "فلترة" عدوانية لتلك الذاكرة، فينزع عنها رداء السعادة والجمال، ويحولها إلى مجرد مشهد باهت أو ذكرى مؤلمة لزمن مضى ولن يعود؟
هل الذاكرة كيان مستقل بذاته، أم أنها مجرد "مادة خام" يعيد مزاجنا الحالي تشكيلها ونحتها كما يشاء؟ فكأنني أدركت أنني لا أتذكر الماضي كما حدث، بل أتذكره كما "يريد" لي مزاجي الحاضر أن أتذكره. لو كنت حزينا، لربما فلترت مشهد الغروب ليصبح نذيرا بالوحدة، ولربما رأيت في الشخصين في الحديقة نموذجا للابتذال البشري الذي يثير الضيق بدل التساؤل.
لقد أصبحت الآن أراقب نفسي وهي تراقب ذاكرتها، إنني أفكر في "تفكيري" الذي يحاول يائسا الفصل بين شعور اللحظة وشعور الذكرى. هل نحن نملك ذكرياتنا حقا، أم أننا نملك فقط "النسخة" التي يسمح لنا مزاجنا الحالي بمشاهدتها؟ وجدتني عالقا في مرآة تعكس مرآة، حيث يختلط "أنا" الماضي ب "أنا" الحاضر، وتضيع الحقيقة المجردة للحدث في زحام المشاعر المتقلبة، وكأن الوعي لا يعدو كونه عملية مستمرة من "إعادة الكتابة" التي لا تتوقف عند نقطة يقين واحدة.
وحينها، توقفت عن الكتابة تماما، وأخذت أتأمل هذا الاستنتاج الأخير الذي وصلت إليه بشأن "تداخل النشاوي"، هل ما استنتجته حول تأثير نشوة الحاضر على نشوة الماضي هو حقيقة موضوعية ملموسة؟ أم أن هذا الاستنتاج بحد ذاته هو مجرد "فلترة" إضافية قام بها عقلي الآن ليبرر لنفسه حالة الحيرة التي يعيشها؟
هل أنا بصدد وضع يدي على قانون نفسي حقيقي يحكم الذاكرة، أم أنني فقط أحاول "منطقة" شعوري بالتيه عبر خلق نظريات فلسفية تبدو ذكية؟ هل هذه الأسئلة التي أطرحها الآن حول "تفكير التفكير" هي سعي صادق نحو الحقيقة، أم أنها مجرد طبقة أخرى من الضباب الكثيف الذي يفرزه عقلي ليوهم نفسه بأنه يسيطر على الموقف؟ وجدتني أتساءل: هل يمكن لعقل غارق في "الفلاتر" أن يدرك أصلا أنه مفلتر، أم أن كل استنتاج أصل إليه هو في النهاية سجين الزاوية التي أنظر منها الآن؟
فوقفت لوهلة، وقد شلت الحيرة مفاصل منطقي، وسألت نفسي السؤال الذي لا عودة منه: هل تفكيري أصلا في أن "العقل يفلتر لي الواقع" هو فكرة صحيحة وموضوعية؟ أم أن فكرة "الفلترة" ذاتها هي مجرد "فلتر" آخر اخترعه عقلي ليهرب من مواجهة الحقيقة العارية؟ هل أنا الآن في قمة الوعي، أم أنني غارق في أعمق طبقات الوهم وأنا أظن أنني أفكك أوهامي؟
وهكذا، وجدت نفسي عالقا في دوامة لولبية لا قاع لها، حيث يطارد السؤال السؤال، وتلتهم الفكرة ذيلها في حلقة مفرغة من "تفكير التفكير". تلاشت جدران الغرفة، وغاب ضوء الشمس، ولم يتبق سوى صدى هذا الضجيج الفلسفي الذي استنزف طاقة روحي وجسدي. ومع وصولي إلى طريق مسدود لا ينفذ منه نور اليقين، بدأت قواي تنهار تدريجيا أمام ثقل هذه الأسئلة الوجودية، فاستسلمت لصمت مفاجئ اجتاح كياني، وانتهى بي المطاف غارقا في نوم عميق، وكأن العقل قد قرر أخيرا إطفاء المحرك بعدما أحرقته الأسئلة التي لا جواب لها.
في يوم لا أتذكر ما هو، ولا حتى تفاصيل ملامحه، كنت جالسا في زاوية منزوية بقهوة شعبية، يحيط بي صخب الملاعق وأصوات المارة وضجيج أحاديث لا تعنيني. كنت أرقب بخار قهوتي وهو يتصاعد ويتلاشى، وفجأة، داهمتني تلك الحالة من جديد، شعرت وكأنني انفصلت عن هذا المشهد بأكمله، وكأن "المراقب" بداخلي قد استيقظ فجأة ليحلل هذه اللحظة التافهة. نظرت إلى الناس من حولي، ورأيتهم يتحركون كآلات مبرمجة داخل "فلاترهم" الخاصة، كل واحد منهم سجين قصته وتصوراته، ثم ارتد بصري إلي: هل جلوسي هنا الآن، وشعوري بهذا الانفصال، هو حقيقة أدركها، أم أن عقلي قد قرر أن يمنحني "دور البطولة" في مسرحية فلسفية ليقتل رتابة الوقت؟
تحولت القهوة في نظري من مكان للراحة إلى مختبر حسي معقد، فكل رائحة، وكل نبرة صوت، كانت تمر عبر مصفاة دماغي لتتحول إلى "استنتاج". شعرت برعب خفيف من فكرة أنني قد لا أكون جالسا في هذه القهوة كما هي حقا، بل أنا جالس في "نسخة" القهوة التي صممها لي جهازي العصبي. هل هذه الطاولة خشبية حقا، أم أن وعيي هو من يترجم ذبذبات المادة إلى هذا الملمس؟ وفي غمرة هذا التيه، وسط دخان السجائر وصياح النادل، أدركت أن هذه اللحظة ليست سوى مشهد آخر من تلك السلسلة الطويلة من لحظات التفكير التي لا تهدأ.
وفجأة، اخترق صمتي الداخلي صوت انكسار حاد، لقد كسر النادل مكنسة خشبية أمامي مباشرة. وفي تلك اللحظة، لم أر الأمر كحادث عرضي تافه، بل قفز وعيي ليتساءل: لماذا أراها "مكسورة" أصلا؟ هل أدركت كسرها لأن عيني اختزنت صورتها "السليمة" قبل ثوان فقط، فقام مخي بعملية مقارنة فورية بين الحاضر والماضي؟
بدأت أغوص في تعريف "المكسور"، هل الكسر حقيقة موضوعية في الخشب، أم أنه مجرد حكم أصدره عقلي لأن المكنسة لم تعد تؤدي وظيفتها التي رسمتها لها في مخيلتي؟ لو كان كائنا لا يعرف ماهية المكنسة قد رأى هذه القطع، لربما رآها "مكتملة" في كينونتها الجديدة كقطعتين منفصلتين. إن شعوري بأنها "تحطمت" نابع من فكرة مسبقة في ذهني عن "الكمال" الخشبي، مما يعني أنني لا أرى المادة كما هي، بل أراها من خلال توقعاتي وماضي مع الأشياء.
وزاد تساؤلي تعقيدا: إذا كان عقلي يترجم انفصال جزيئات الخشب على أنه "خسارة" أو "خلل"، فكم من الأشياء في حياتي أراها "مكسورة" فقط لأنها لا تشبه الصورة التي أتمناها لها؟ هل نحن نعيش في عالم من الحقائق، أم في عالم من "المقارنات" المستمرة؟ شعرت حينها أن المكنسة المكسورة لم تكن سوى مرآة لوعيي الذي لا يكف عن تقسيم الواقع إلى "صحيح" و"خاطئ" بناء على ذاكرة قد لا تكون هي الأخرى سوى فلتر إضافي يخدعني.
وهنا انقسم تفكيري إلى مستويين، فأنا أستطيع أن أحكم على المكنسة بأنها "مكسورة" من منظور غائي نفعي، أي بمقارنة حالتها الراهنة بوظيفتها التي يفترض أن تؤديها بأكمل وجه، فما عجز عن القيام بدوره فهو في عرفي "مكسور". ولكن، هناك مستوى آخر أعمق وأكثر تجريدا، وهو أنني قد أدرك الكسر بمجرد ملاحظة "طرفي جزأيه" المنفصلين، حتى لو لم أكن أعرف وظيفة الشيء أصلا.
هذه الملاحظة الحسية البسيطة لانفصال المادة جعلتني أتساءل: هل "الكسر" هو انفصال في الجوهر الفيزيائي ندركه بالحواس، أم هو انقطاع في "الفكرة" التي يكونها العقل عن الوحدة والاتصال؟ إن رؤيتي لهذين الطرفين وهما يقفان في مواجهة بعضهما بعد أن كانا جسدا واحدا، توحي بأن عقلي يملك برمجة فطرية تبحث عن "الاتساق"، فبمجرد أن يلمح الفجوة بين جزأين كانا متلاحمين، يصنف المشهد فورا كحالة "خلل".
لقد زاد ذهولي وأنا أتأمل تلك الشظايا، فالمخ لا يكتفي بفلترة الواقع، بل هو "مهندس" يعيد بناء المادة داخل الوعي. فإذا كان بإمكاني إدراك الكسر بمجرد رؤية انفصال الأطراف، فهذا يعني أن وعيي يملك معيارا داخليا "للكل المتكامل"، وهو معيار يسبق حتى معرفتي بالوظيفة أو الغرض. وهذا قادني مرة أخرى إلى الصراع القديم: هل هذا المعيار هو مجرد "خوارزمية مادية" في الدماغ نشأت من مراقبة الطبيعة، أم أنه "أثر روحي" يبحث دائما عن التمام والوحدة في عالم منقسم ومجزأ؟
فوجدتني أعتنق منهجا جديدا في التفكير لعلي أفك مغاليق هذا اللغز الذي استعصى على مادية المكنسة المكسورة، قررت أن أختبر وعيي في الميادين الكبرى التي تشغل الوجدان البشري، فبدأت بالبحث عن الحقيقة من خلال الثنائيات الكبرى، حيث لا يظهر المعنى إلا ببروز نقيضه، تماما كما لا يظهر بياض الورقة إلا بمداد القلم الأسود. وكان أعظم ما واجهته في هذا المختبر الذهني هو صراع الخير والشر.
انطلقت أتساءل بعمق أشد: هل "الشر" كينونة مادية ملموسة، أم أنه مجرد وصف نطلقه على غياب "الخير"، مثلما أن الظلام ليس مادة بل هو مجرد غياب للفوتونات الضوئية؟ بدأت أطبق منطق المكنسة المكسورة على الأخلاق، هل ندرك الظلم لأننا نملك في أعماقنا "مسطرة" كونية للعدل الكامل؟ إن رؤيتي لنقيضين يتصارعان في هذا العالم جعلتني أشك من جديد في طبيعة وعيي، فلو كان عقلي مجرد جهاز بيولوجي مبرمج للبقاء، لكان تعريف "الخير" عندي هو "ما ينفعني"، وتعريف "الشر" هو "ما يضرني". ولكن، لماذا نشعر بالألم النفسي حين نرى شرا يقع على الطرف الآخر من الكوكب، ولا يمس أمننا ولا مصلحتنا بشيء؟
هنا بدأ التحليل يتشعب ويطول، فإذا كان عقلي يفلتر الواقع، فربما يكون قد اخترع مفهوم "الخير والشر" ليخلق نظاما وسط فوضى المادة، وكأنها وسيلة دفاعية لتنظيم المجتمع وضمان استمرار النوع. ولكن، ما يربك هذا التحليل المادي هو تلك الصرخة الداخلية التي تنبعث من أعماقنا حين نلمس "انكسارا" في الفطرة، تلك اللحظة التي نرى فيها "طرفي الجزأين" في فعل شرير، فندرك فورا أنه "مكسور" أخلاقيا، حتى دون أن نحتاج لمعرفة وظيفته أو مصلحتنا منه.
لقد غرقت في تأمل هذا التضاد، فهل الوجود مبرمج على أن يكون "ثنائيا" لكي يستطيع وعينا المحدود إدراك المعنى؟ هل نحن بحاجة إلى القبح لنقدس الجمال، وإلى الألم لنعرف قيمة السكينة؟ إن هذا الجدال الطويل في عقلي قادني إلى استنتاج مذهل: إن قدرتنا على "المقارنة" بين الخير ونقيضه، وبين الجمال وقبحه، تثبت أن وعينا ليس محبوسا في اللحظة المادية الآنية، بل هو "كيان قاض" يقف فوق الزمان والمكان، يملك مرجعية متسامية لا يمكن أن تكون نتاجا لتروس المادة الصماء.
وهكذا، تحولت القهوة وضجيجها إلى ساحة لحوار كوني طويل، حيث أصبحت المكنسة المكسورة مجرد رمز لانكسار العالم وتجزئه، وأصبح بحثي عن الخير والشر هو المحاولة المستميتة لترميم هذا الكسر في وعيي، والوصول إلى تلك الوحدة التي تلمس جوهر الروح بعيدا عن فلاتر المادة وتلاعب الدماغ. فهل نحن نحيا لنكتشف الخير، أم أننا نحن من نمنح للخير معناه بوعينا الذي يرفض الانكسار؟
هذا الاستغراق في الثنائيات قادني إلى سؤال أخر: هل "النقيض" هو شرط وجودي للمعرفة؟ فإذا كنا لا نعرف النور إلا بظلمته، ولا السكون إلا بصخبه، فهل وعينا محبوس في زنزانة "المقارنة" الدائمة؟ بدأت أتساءل إن كانت عقولنا قادرة على إدراك أي ماهية في ذاتها، أم أننا نعيش في عالم من "العلاقات" فقط، حيث الأشياء لا تملك تعريفا مستقلا بل تعرف بما ليست هي. هل يمكنني أن أفهم معنى "الوجود" لو لم يكن "العدم" يتربص به في كل زاوية؟
وهنا، انقدح في ذهني تساؤل مضاد: هل هناك أشياء نفهمها دون نقيض؟ أشياء تفرض حقيقتها بفيض داخلي لا يحتاج لمسطرة المقارنة؟ فكرت في شعوري ب "الأنا" أو "الوعي بالمراقب"، هل يحتاج هذا الشعور لنقيض لكي يثبت وجوده؟ إنني أشعر بوجودي بوضوح تام لا يتطلب وجود "عدم" بجانبي ليعرفه لي. هل "الحب المطلق" أو "الجمال الخالص" حالات يمكن بلوغها بحيث تتلاشى فيها فكرة النقيض وتصبح الحقيقة ساطعة بذاتها؟
لقد وجدت نفسي أمام مفرق طرق فلسفي، فإما أن عقولنا مبرمجة ماديا على نظام "الصفر والواحد" ، فلا تفهم شيئا إلا بنفيه، وإما أن الروح تملك نافذة على حقائق "أحدية" لا أضداد لها. إن البحث عن شيء لا نقيض له هو بحث عن "المطلق" وسط عالم من "النسبيات"، وهو محاولة لكسر قيد المقارنة الذي كبل وعيي منذ لحظة المكنسة المكسورة. فهل نحن محكومون برؤية العالم كزوجين متصارعين للأبد، أم أن في أعماقنا لغة تفهم الحقيقة الصرفة دون الحاجة إلى مرآة النقيض لتعكسها لنا؟
فبدأت أفتش في خبايا وعيي عن تلك "الحقائق اليتيمة" التي لا ضد لها، أشياء أعرفها وأعيها بيقين لا يحتاج إلى مقارنة أو نقيض لكي تبرز ملامحه. فإذا كان النور يحتاج إلى الظلام لكي أدركه، والدفء يفتقر إلى البرد لكي أشعر به، فما هو الشيء الذي يسكنني ويفرض وجوده بفيض داخلي مستقل؟
أول ما واجهني هو "شعوري بأني أنا". هذا الوعي الكامن خلف العينين، ذاك "المراقب" الذي لا يغيب، هل يحتاج إلى "عدم" أو "آخر" لكي يعرف أنه موجود؟ وجدت أن إدراكي لوجودي هو حقيقة ساطعة بذاتها، لا تفتقر إلى نقيض لتعريفها، بل هي المركز الذي تنطلق منه كل المقارنات الأخرى. إنها حالة من "الحضور" الخالص، صرخة صامتة تقول "أنا كائن" دون الحاجة لقول "أنا لست عدما".
ثم فكرت في "الألم الصرف" أو "اللذة المحضة" في لحظة وقوعهما، هل أحتاج في ذروة الألم أن أتذكر العافية لكي أتألم؟ لا، فالألم حين يحل يملأ أركان الوعي ب "أحدية" طاغية، يصبح هو الواقع الوحيد، ويفرض سلطته دون مرجعية خارجية. وكذلك "الوعي بالوعي"، تلك اللحظة التي أفكر فيها في تفكيري، إنها حلقة مغلقة من الإدراك تكتفي بذاتها، وتثبت أن في داخلنا نواة صلبة من الحقائق التي لا تقبل الانقسام إلى ثنائيات.
لقد شعرت حينها بنوع من التحرر، فإذا كانت هناك أشياء أعرفها دون ضدها، فهذا يعني أن وعيي ليس مجرد "آلة مقارنة" مبرمجة، بل هو "منبع" للحقيقة. إن البحث عن هذه المساحات "الأحدية" هو بحث عن الجوهر الذي يسبق الفلاتر، ويسبق اللغة، ويسبق حتى قوانين المنطق التي تحكم العالم الخارجي. هي لحظات نادرة نلمس فيها "المطلق" القابع في أعماقنا، حيث يختفي الضجيج، وتتلاشى الأضداد، ولا يبقى سوى الحقيقة العارية التي لا تحتاج لمرآة لكي ترى نفسها.
الحمد لله.
يكمل.