السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

إشراقات من سورة الحجرات (1)

https://io.hsoub.com/go/43360

إشراقات من سورة الحجرات (2)

https://io.hsoub.com/go/43413


ندب الله عز و جل إلى خفض الصوت عند رسول الله و حث على ذلك، و أرشد إليه، و رغب فيه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)، أي: أخلصها لها و جعلها أهلا و محلا ( لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).. عند مجاهد، قال: كتب إلى عمر، يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية و لا يعمل بها، أفضل، أم رجل يشتهي المعصية و لا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه، إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ( أُولَـئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) الإمام أحمد.

( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾)

ثم إنه تعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات، و هي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال(أكثرهم لا يعقلون) ثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم)، أي: لكان لهم في ذلك الخيرة و المصلحة في الدنيا و الآخرة ثم قال داعيا لهم إلى التوبة و الإنابة (والله غفور رحيم) و قد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد.. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن الأقرع بن حابس؛ أنه نادى رسول الله صلى الله عليه و سلم من وراء الحجرات، فقال: يا محمد، يا محمد، و في رواية: يا رسول الله - فلم يجبه فقال: يا رسول الله، إن حمدي لزين و إن ذمي لشين، فقال: ذلك الله عز و جل.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿٦﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّـهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَـئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَنِعْمَةً وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾)

يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر - كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، و قد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، و من هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لإحتمال فسقه في نفس الأمر، و قبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق و هذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال. و قد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري، ولله الحمد و المنة.

و قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم على صدقات بني المصطلق، و قد روي ذلك من طرق، و من أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق، و هو الحارث بن ضرار، والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنها، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه و أقررت به، و دعاني إلى الزكاة فأقررت به، و قلت: يا رسول الله، أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام و أداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، و يرسل إلي رسول الله رسولا لإبان كذا و كذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، و بلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبعث إليه، فاحتبس عليه الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطه من الله و رسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: إن رسول الله كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، و ليس من رسول الله صلى الله عليه و سلم الخلف، و لا أرى من حبس رسول الله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعث رسول الله الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - أي: خاف - فرجع فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله: إن الحارث منعني الزكاة و أراد قتلي. فضرب رسول الله البعث إلى الحارث. و أقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث و فصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: و لم؟ قالوا: إن رسول الله كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة و أردت قتله. فقال: لا و الذي بعث محمد بالحق ما رأيته البته و لا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: منعت الزكاة و أردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته و لا أتاني، و ما اقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله خشيت أن يكون كانت سخطة من الله و رسوله. قال: فنزلت الحجرات ( يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ) إلى قوله (حكيم).

و قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّـهِ)، أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه و وقروه و تأدبوا معه، و انقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، و أشفق عليكم منكم، و رأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، كما قال تعالى:(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) الأحزاب: 6. ثم بين تعالى أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال:( ولو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)، أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم و حرجكم، كما قال تعالى:( ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون) المؤمنون: 71.

و قوله:( ولكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم) أي: حببه إلى نفوسكم و حسنه في قلوبكم.

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم، يقول: الإسلام علانية و التقوى في القلب، قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: (التقوى هاهنا، التقوى هاهنا ( وكره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان) أي: و بغض إليكم الكفر و الفسوق، و هي الذنوب الكبار، و العصيان هي جميع المعاصي. و هذا تدريج لكمال النعمة.

و قوله:( أولئك هم الراشدون) أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون، الذين قد آتاهم الله رشدهم. قال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمكن المكي، عن ابن رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد و انكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: استووا حتى أثني على ربي عز و جل، فصاروا خلفه صفوفا، فقال: اللهم لك الحمد كله. اللهم لا قابض لما بسطت، و لا باسط لما قبضت، و لا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت. و لا مقرب لما باعدت و لا مباعد لما قربت. اللهم أبسط علينا من بركاتك و رحمتك و فضلك و رزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول و لا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، و الأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، و من شر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان و زينه في قلوبنا و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان، و اجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين و أحينا مسلمين و ألحقنا بالصالحين، غير خزايا و لا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك و يصدون عن سبيلك، و اجهل عليهم رجزك و عذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أتوا الكتاب، إله الحق. رواه النسائي في اليوم و الليلة عن زياد بن أيوب، عن مروان بن معاوية، عن عبد الواحد بن أيمن، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، به. و في الحديث المرفوع: ( من سرته حسنته، و ساءته سيئته فهو مؤمن).. ثم قال:( فضلًا من الله و نعمه) أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم و نعمة من لدنه، (والله عليم حكيم) أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله و أفعاله، و شرعه و قدره.


وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية - إدارة شئون القرآن الكريم - إشراقات من سورة الحجرات - جمع و ترتيب: محمد محمود يوسف، أمام و خطيب بوزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية - الكويت.