السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

إستكمالًا لما بدأت به و هو نقل ما ورد في كُتيّب (إشراقات من سورة الحجرات).

رابط الجزء الأول من هنا:

https://io.hsoub.com/go/43360


فائدة في تسمية السورة:

سورة الحجرات جائت لتبني ركنًا من أركان الدين، ألا وهو طاعة النبي صلى الله عليه و سلم و تعظيمه، فأراد الله أن يؤدب بعض من لم يحسن مخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم حيث صاروا -كما سيأتي معنا إن شاء الله- ينادونه من وراء الحجرات فأنزل الله تعالى قوله:( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) و لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم و الله غفور رحيم (5) ) فهنا على المسلم أن يتأمل جيدا قوله تعالى:( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون)، فإنه إذا كان الذي يخاطب النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الطريقة اعتبره الله تعالى غير عاقل وهو أمر يبدو دقيقا، فكيف بمن ترك تعظيم أمره و نهيه؟ فلا شك أنه أدنى منزلة و أحط مرتبة.

فكأن اسم السورة يذكر المؤمنين بهذه الحادثة؛ حتى يعظموا نبيهم صلى الله عليه و سلم في كل شؤونهم و جميع أحوالهم.

التفسير التحليلي للسورة: (سيكون على عدة أجزاء)

بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾)

هذه آداب أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به رسول الله صلى الله عليه و سلم من التوقير و الإحترام و التبجيل و الإعظام، فقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله)، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ رضي الله عنه إذ قال له النبي صلى الله عليه و سلم:( حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره و قال: الحمدلله الذي وفق رسول الله، لما يرضى رسول الله). رواه أحمد، و أبو داوود، و الترمذي. فالغرض منه أنه أخر رأيه و نظره و اجتهاده إلى ما بعد الكتاب و السنة، و لو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله و رسوله.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تقدموا بين يدي الله و رسوله:( لا تقولوا خلاف الكتاب و السنة).

و قال مجاهد: لا تفاتوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بشئ، حتى يقضي الله على لسانه.

و قال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله و رسوله من شرائع دينكم.

و قال سفيان الثوري: لا تقدموا بين يدي الله و رسوله بقول و لا فعل.

(و اتقوا الله)، أي: فيما أمركم به، (إن الله سميع عليم)، أي: لأقوالكم (عليم) بنياتكم..

و قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) هذا أدب ثان أدّب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم (فوق صوته). و قد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر و عمر، رضي الله عنهما. و قال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر و عمر ، رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه و سلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، و أشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ أسمه - فقال أبو بكر لعمر ما أدرت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)؛ قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر رضي الله عنه.

و قال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه و سلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده في بيته منكسا رأسه، فقال له ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه و سلم فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتيى لرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا و كذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، و لكنك من أهل الجنة"..

  • وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيا و في قبره، صلوات الله و سلامه عليه، دائمًا.

ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة و وقار و تعظيم، و لهذا قال:( وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) كما قال :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا) النور:63

و قوله (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ، أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه و هو لا يدري، كما جاء في الصحيح:( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماوات و الأرض).


وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية - إدارة شئون القرآن الكريم - إشراقات من سورة الحجرات - جمع و ترتيب: محمد محمود يوسف، أمام و خطيب بوزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية - الكويت.