تأمل في قوله تعالى:
﴿… وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: ١٥٢]
مقدمة:
تجيء هذه الآية في سياق الحديث عن غزوة أُحد، لكنها لا تُحاصر في زمنها، ولا تُحبس في حادثتها؛ إذ تتجاوزها إلى قانونٍ ربانيٍّ ماضٍ في النفوس والوقائع: أن لحظات الاختبار الحقّ لا تكون في الشدة وحدها، بل – وربما أشدّ – تكون بعد أن نرى ما نحب.
فكم من نفسٍ تصبر عند الضيق، فإذا فُتح لها باب الفرج تزلّ قدمها! وكم من قلبٍ يتجلّد عند الخوف، فإذا لاح له الطمع ضعف وانقاد! هكذا تكشف الآية عن مفارقة دقيقة: العصيان لم يقع قبل النصر، بل من بعد أن أراهم الله ما يحبون.
حين يتحوّل الفضل إلى فتنة
في أُحد، أراهم الله أوّل النصر، وذاقوا طعم الغلبة، وتحقّق الوعد الإلهي، لكن هذا المشهد الجميل كان بداية امتحان جديد: هل يثبتون على الأمر؟ هل يُقدّمون الطاعة على الغنيمة؟ هنا تنفصل النفوس: نفسٌ رأت النعمة فشكرت، ونفسٌ رأت النعمة فاغترّت.
فالنعمة – وإن كانت محبوبة – ليست بالضرورة دليل رضا دائم، بل قد تكون ابتلاءً في ثوب العطاء. ولذلك قال تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗ﴾، فالخير نفسه اختبار، لا يقلّ عن اختبار الشر.
العصيان بعد الرؤية
في الآية لفتة بليغة: لم يقل “عصيتم” فقط، بل قال: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾. كأن الذنب هنا أثقل؛ لأن المعصية وقعت بعد الشهود، بعد التحقّق، بعد أن صار الوعد عيانًا لا خبرًا. وهذا أشدّ على القلب؛ إذ إن رؤية الفضل توجب مزيدًا من الوفاء، لا التفريط.
إن الطاعة عند الغيب إيمان، والطاعة بعد العيان أمانة. ومن خان الأمانة بعد أن رأى النعمة، فقد خان نفسه قبل أن يخون الأمر.
ما تحبون… لا ما خُيِّرتم فيه
ولم يقل تعالى: “ما هو خير لكم”، بل قال: ما تحبون. وفي هذا إشارة دقيقة إلى أن ما تحبه النفس قد لا يكون هو الأكمل لها، ولا الأبقى في عاقبته. فالحبّ إذا لم يُهذَّب بالطاعة انقلب سببًا للعصيان، وصار الميل سبب الزلل.
كم مرة نعلم الحكم، ونفهم التوجيه، لكن حبًّا ما في قلوبنا يشدّنا إلى غيره؟ وكم مرة نُقدِّم ما نهوى على ما نُؤمر به، ثم نُفاجأ بأن البركة تُنزع، وأن الحال ينقلب؟
سنة لا تتبدّل
هذه الآية لا تُدين جيلًا بعينه، بل تُقيم ميزانًا دائمًا:
- النصر مع الطاعة،
- والخذلان مع المعصية،
- ولا عصمة لأحدٍ بعد الرؤية.
فليس الخطر في الجهل، بل في ترك ما عُلِم. وليس البلاء في الحرمان، بل في سوء التعامل مع العطاء. ومن ظنّ أن النعمة ضمان، فقد جهل سنن الله في القلوب والأحداث.
رسالة إلى القلب
الآية تسأل كل قارئ دون أن تنطق:
هل تطيع الله في لحظات القوة كما تطيعه في لحظات الضعف؟
هل تحفظ الوصية حين تلوح لك المكاسب؟
هل إذا رأيت ما تحب، ازددت خضوعًا، أم خفّ في قلبك وزن الأمر؟
إن أعظم الخسارة أن يُفتح لك باب الفضل، ثم تُغلِقه أنت بيدك.
خاتمة:
خَف على نفسه من الفرح إذا لم يكن منضبطًا، ومن النجاح إذا لم يكن مقرونًا بالشكر والطاعة.
اللهم لا تجعل ما نحب سببًا لبُعدنا عنك، واجعل رؤيتنا لفضلك باعثةً على مزيد من الوفاء، لا على أول طريق العصيان.