أداة (بلى) في اللغة العربية
تُعَدُّ «بَلَى» من الأدوات الدقيقة في العربية، ولا تُستَعمل استعمالًا عابرًا؛ إذ تأتي جوابًا لنفي النفي؛ فإذا سألنا مثلاً: ألم تدرس؟
فإما أن بكون جوابي: بلى، درست. (وهذا الجواب نفي لعبارة:"لم تدرس" الواردة في السؤال) وهذا هو المقصود بنفي النفي،
أو أن يكون: نعم، لم أدرس. (وهذا الجواب إثبات للنفي)
أما لو أجبنا: لا لم أدرس، فهذه طريقة خاطئة في الإجابة عن السؤال؛ لأن السؤال غير المنفي هو الذي يُجاب عنه بنعم وبلا. مثل: أدرست؟ نعم، درست أو، لا، لم أدرس.
تأملات في الجواب "بلى" في القرآن الكريم:
1- قال تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} [البقرة:١١١-١١٢]
{بلى} إيجاب لما نفوا: أي يدخلها من ليس يهوديا، ولا نصرانيا١
جاءت «بلى» هنا نقضًا صريحًا لدعوى الاحتكار الديني للجنة، وردًّا على نفيٍ زعم أن النجاة محصورة في أسماء وهويات.
فـ«بلى» تُثبت أن دخول الجنة ليس بالانتساب ولا بالادعاء، وإنما بالإسلام لله والإحسان في العمل.
2- قال تعالى: {وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ * بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} [آل عمران: ٧٥-٧٦]
{ بلى } عليهم سبيل وتباعة في أموال الأميين٢
ليس الأمر كما زعموا، بل عليهم حرج، ولكن من أوفى بعهده مع الله من الإيمان به وبرسله، ووفى بعهده مع الناس فأدى الأمانة، واتقى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فإن الله يحب المتقين وسيجازيهم على ذلك أكرم الجزاء٣
ادّعوا أن لا تبعة عليهم في أموال غيرهم، فجاءت «بلى» لتُسقِط هذا التبرير الأخلاقي.
بلى: عليهم سبيل، وعليهم تبعة، وعليهم مسؤولية.
ثم أعاد القرآن ضبط المعيار: الوفاء بالعهد، والتقوى، وأداء الأمانة. فالحق لا يتجزأ، والعدل لا يُستثنى منه أحد، ومن اتقى الله أحبه الله وجازاه.
3- قال تعالى: {أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ * أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ * أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ * بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ}
لو أن الله هداني= ما هديتني يارب… الجواب: بلى هديتُك حيث جاءتك آياتي فكذبت بها ثم استكبرت، فكنت من الكافرين.
{بلى} جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب لقوله : { لو أن الله هداني لكنت من المتقين } لأنه في معنى النفي لأن لو حرف امتناع وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب ٤
_______
١- التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي
٢- المرجع نفسه
٣-المختصر في تفسير القرآن الكريم
٤-التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي