حين يتكلم الله معك… وحين يتكلم عنك، فثمة فرق!

مقدمة

ليس في القرآن لفظةٌ في موضعها مصادفة، ولا أسلوبٌ بلا حكمة، ومن أعجب ما يوقظ القلب فيه اختلافُ جهة الخطاب:

مرةً يحدّثك عن الإنسان بضمير الغائب،

ومرةً يواجهك بضمير المخاطب،

وكأنك تنتقل من مقعد المتفرّج… إلى ساحة المساءلة.

أولًا: الغائب الذي أضاع نفسه

قال تعالى:﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ * فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا * وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا * إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا﴾ [الانشقاق: 10–15]

تأمل هذا السيل من الضمائر:

أوتي (هو)، كتابه (هو)، ظهره (هو)، يدعو (هو)، يصلى (هو)، إنه (هو)…

إنه إنسانٌ يُذكر بضمير الغائب، كأنه مُبعَد، مُقصى، لا يستحق المواجهة.

وقد بيّن المفسرون أن قوله: ﴿كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا﴾

أي: فرحًا بطرًا، مترفًا، منغمسًا في لذاته، لا يعرف الله، ولا يفكر في العاقبة¹.

كان متابعًا لنفسه، راتعًا في مراتع هواه².

لم يكن غافلًا فقط، بل كان مطمئنًا لغفلته،

ظنّ أن الرجوع إلى الله غير وارد،

فجاءه الجزاء من جنس الحال:

تجاهلٌ إلهي، وإبعادٌ في الخطاب قبل الإبعاد في المصير.

ثانيًا: المخاطَب الذي أُقيمت عليه الحجة

هُنا خطابٌ آخر، مشهد لمن غرق في الندم والاعتذار المتأخر:

قال تعالى: {أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ * أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ * أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ * بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الزمر: 56–59]

هنا يتغير الأسلوب:

جاءتك (أنت)، كذبت (أنت)، استكبرت (أنت)، كنت (أنت).

لماذا؟

لأن هذا الموضع موضع محاسبة،

موضع مواجهة لا مهرب فيها،

موضع يُنزع فيه وهم الأعذار.

هذا إنسانٌ نادم، يرى العذاب، ويتمنى الرجعة،

فلا يُترك له مجالُ التواري خلف العموم أو الغياب،

بل يُخاطَب مباشرة:

أنت الذي جاءتك الآيات،

أنت الذي كذبت،

أنت الذي استكبرت.

إنه خطاب العدالة، لا خطاب الإعراض.

ثالثًا: أقسى العقوبات… التجاهل

ثم تأمل عقوبةً تتكرر في القرآن، لكنها لا تُذكر كثيرًا في الوعظ، مع أنها من أشد ما يكون على القلب:

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ… أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ﴾ [آل عمران: 77]

وقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ﴾ [البقرة: 174]

قبل النار…

وقبل العذاب الأليم…

هناك الحرمان من نظر الله وكلامه.

والتجاهل ـ حتى بين البشر ـ عقابٌ قاسٍ،

فكيف إذا كان من رب البشر؟

تخيل فقط:

أن تقف في ذلك اليوم العظيم،

فلا يُكلمك الله،

ولا ينظر إليك،

ولا يزكيك…

كأنك لا وزن لك، ولا قدر، ولا كرامة.

ثم بعد ذلك، خَف من النار.

خاتمة

القرآن حين يخاطب بالغائب، فهو يصف حال إنسانٍ اختار البعد، فبُعِّد.

وحين يخاطب بالمخاطب، فهو يُقيم الحجة، ويكشف المسؤولية، وينزع الأعذار.

فاسأل نفسك قبل أن تُسأل:

أتُحِب أن يذكرك القرآن بضمير هو…

أم أن يشملك خطاب أنت

وأنت في موضع القبول، لا موضع الندم؟

________

  1. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي.
  2. مدارك التنزيل وحقائق التأويل، النسفي.