إذا مسّك الله بضر… فلا كاشف له إلا هو

تأملات في قوله تعالى:

{وَإِن یَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَۖ وَإِن یَمۡسَسۡكَ بِخَیۡرࣲ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِیمُ ٱلۡخَبِیرُ}

[سورة الأنعام: 17-18]

في زمن تكثر فيه الابتلاءات وتتعدد فيه المخاوف، يضيء لنا القرآن نورًا من الأمن والإيمان، يهدّئ القلوب المرتجفة، ويثبت الأقدام المضطربة، ويذكّرنا بمن هو مالك النفع والضر وحده: الله سبحانه وتعالى.

لا كاشف للضر إلا هو

الآية تبدأ بتقرير قاطع لا يحتمل التأويل:

"وَإِن یَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ"

أي أن الضر قد يصيب الإنسان، ولا أحد يستطيع منعه، لأن الله هو الذي قدّره.

ثم يقول:

"فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَ"

وهنا يظهر التوحيد في أسمى صوره:

لا طبيب،

لا مال،

لا صديق،

لا نفوذ…

يقدر على رفع ما أنزل الله بك من هم أو مرض أو فقر، إلا هو.

فما أعظم هذه الطمأنينة حين توقن أن لا أحد يتحكم فيك أو يؤذيك إلا بإذن الله، وما أجمل أن تتوجه بقلبك مباشرة إلى من بيده كل شيء.

وإن يمسسك بخير… فهو على كل شيء قدير.

الخير أيضًا بيده وحده، فليس من أحد يستطيع أن يمنحك نعمة، صغيرة أو عظيمة، إلا إذا شاء الله ذلك.

التوفيق في الدراسة

القبول في القلوب

المال، الصحة، الاستقرار

كلها من عطائه الكريم، لا من ذكائك، ولا جهدك، ولا علاقاتك.

والله يقول بعدها:

"فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ"

أي أنه لا يعجزه شيء، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحكمة لا يخطئها ميزان.

القهّار فوق عباده

ثم يصف نفسه بقوله:

"وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِ"

أي أن الله غالب لا يُغلب، متصرف في عباده كيف شاء، وهم تحت سلطانه، مهما بلغ جبروتهم أو غناهم.

فإذا قهرك المرض، أو ضيّق الله عليك رزقك، أو أصابك هم، فاعلم أنه من القهار الرحيم، الذي يقدّر الأمر لحكمة يعلمها، وهو "ٱلۡحَكِیمُ ٱلۡخَبِیرُ"، لا يظلم، ولا يبتلي عبثًا، ولا يقدر شرًّا خالصًا.

الدعوة للثقة والتسليم

هذه الآيات تربي في المؤمن صفة عظيمة:

التسليم الكامل لله، والثقة به عند الشدائد والنعم:

إن جاءك الضر، فأنت لا تلتفت للبشر، بل تخرّ راكعًا باكيًا أمام الله.

وإن جاءك الخير، فلا تنسبه لنفسك، بل تحمد الله وتتواضع له.

لأنك تعلم:

هو الذي مسّك، وهو الذي سيكشف، وهو الذي سيعطي.

خاتمة

حين تُدرك أن كل ما بك من ألم أو فرج هو من الله، لا تجد سبيلاً إلا أن تتعلق به، وتحسن ظنك به، وتفرّ إليه لا منه.

فالله وحده من إذا لجأت إليه أعانك، وإذا ناديتَه أجابك، وإذا عصيتَه سترَك، وإذا تُبتَ إليه قبلك.

وانظر هُنا في تفسير الشعرواي لروعة الدقة الإلهية في اختيار لفظة (يمسسك)

اللهم اجعلنا من المتوكلين عليك، الراضين بقضائك، المنيبين إليك في السراء والضراء.