أدب السؤال في الإسلام: كثرة الأسئلة وطرح السؤال على العالِم أثناء طلب العلم
يُعتبر السؤال أحد الوسائل الأساسية في طلب العلم في الإسلام، ومن خلاله يتمكن الإنسان من الوصول إلى الفهم الصحيح ويقوي قدراته المعرفية. ومع ذلك، هناك آدابٌ يجب أن يلتزم بها المسلم عند طرح الأسئلة، سواء كان ذلك في مجال العلم أو في شؤون الحياة اليومية. في هذا المقال، سنتناول أدب السؤال في الإسلام، وبيان متى و كيف يكون السؤال مستحبًا وكيف نُراعي آداب السؤال عند طلب العلم.
السؤال في الإسلام: وسيلة للتعلم وتبادل المعرفة
في الإسلام، يُنظر إلى السؤال باعتباره أداةً للتعلم والتطوير، ولا يُعتبر السؤال عيبًا أو ضعفًا. بل على العكس، يُشجع الإسلام على طرح الأسئلة لتوضيح ما غمض من الأمور والحصول على إجابات مفيدة. فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم باستمرار ليتعلموا ويتفهموا أمور دينهم. وفي القرآن الكريم، نجد العديد من الآيات التي تدعو إلى البحث والاستفهام من العلماء. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (النحل: 43).
ويُعد هذا النص من أهم الأدلة على شرعية السؤال وحث الإسلام على تعلم العلم من مصادره الصحيحة.
أدب السؤال: كيف نطرح السؤال بشكل صحيح؟
الأسئلة التي يُطرحها المسلم يجب أن تكون قائمة على نية صافية وهدف صحيح، وليس على الفضول أو الاستعراض. إليك بعض آداب السؤال التي يجب على المسلم مراعاتها:
1. حسن النية
عند طرح السؤال، يجب أن يكون الهدف هو تحقيق الفائدة و الاستفادة من العلم، وليس للمجادلة أو لمجرد إثارة الفتن. فالسؤال الذي يتم لأغراض غير نبيلة يمكن أن يكون سببًا في الفتنة أو التباعد بين المسلمين. من الضروري أن يسعى الشخص لزيادة علمه بغرض تقوية إيمانه أو تحسين سلوكه.
2. احترام العلم والعالم
يجب أن يكون السؤال مُوجهًا بعناية واحترام للعالم أو المعلم. فلا ينبغي أن يُطرح السؤال بطريقة تُشعر المُجيب بالإهانة أو التقليل من مكانته. يجب أيضًا أن نكون متحلين بالصبر، فالعالم أو المعلم قد يكون مشغولًا أو قد يحتاج إلى وقت للتفكير والإجابة بشكل دقيق.
3. توجيه السؤال في مكانه الصحيح
من الضروري أن نطرح الأسئلة في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب. يجب أن نتجنب طرح الأسئلة التي قد تكون غير ضرورية في السياقات غير المناسبة أو في الأماكن العامة، بحيث لا تزعج الآخرين أو تشتت انتباههم.
4. الإلمام بالسؤال قبل طرحه
من المهم أن يتأكد السائل من أنه قد حاول فهم السؤال وفحص المسألة بشكل جيد قبل أن يطرحها. فالسؤال الجيد هو الذي يظهر أن السائل قد بذل جهدًا لفهم الموضوع أو المشكلة، وهذا يظهر التزامه بالعلم ورغبته الحقيقية في الفهم.
5. التواضع عند السؤال
يجب على السائل أن يتجنب التكبر أو الاستعلاء على العالم الذي يجيب. بل عليه أن يكون مُتواضعًا، يعلم أن طلب العلم يحتاج إلى سعة صدر و انفتاح على الفهم دون التعالي على الإجابة. كما يجب على السائل أن يُقدر جهد العالم في تقديم الإجابة ووقته.
هل كثرة الأسئلة مُستحبة أم مُكروهة؟
في الإسلام، كثرة الأسئلة مستحبّة بشرط أن تكون الأسئلة في مجال التعلم، وأن تكون أسئلة بنّاءة تهدف إلى توضيح شيء مهم في الدين أو الحياة. وقد كان الصحابة الكرام يطرحون أسئلة للنبي صلى الله عليه وسلم حول كل جوانب الحياة، سواء كانت متعلقة بالعبادات أو المعاملات أو الآداب.
لكن، يجب أن نكون حذرين في طرح الأسئلة لئلا نُسرف في طرح أسئلة تافهة أو غير مفيدة، التي قد تضر بالوقت أو تزعج الشخص المعني بالإجابة. فالمبالغة في طرح الأسئلة التي لا تضيف فائدة تُعتبر أمرًا مكروهًا، وتتنافى مع أدب السؤال.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل عن شيء لا يعنيه، فقد باء بما سأل". أي أن السؤال يجب أن يكون موجهًا إلى ما يعنينا، وأن يكون له غاية نافعة.
السؤال في مواضع مختلفة من العلم
السؤال يُطرح في مجالات مختلفة من العلم، ومن أبرز هذه المجالات:
العلوم الشرعية: كثيرًا ما يواجه المسلم مسائل في دينه، مثل الصلاة، الصيام، الزكاة، وغيرها من العبادات، مما يدفعه إلى سؤال العلماء والفقهاء.
العلم الدنيوي: في عصرنا الحديث، أصبح من الضروري أن يتعلم المسلم أيضًا المسائل المتعلقة بالتكنولوجيا، الطب، الاقتصاد، وغيرها من العلوم.
الاستشارة في أمور الحياة: يمكن أن تكون الأسئلة أيضًا حول الاستشارات الشخصية أو الاجتماعية أو المهنية، بهدف تحسين نوعية الحياة واتباع الهدي النبوي في اتخاذ القرارات.
أثر السؤال في تقدم العلم
السؤال ليس فقط وسيلة للفهم، بل هو أداة فعالة في نشر العلم وتوسيع مداركه. من خلال طرح الأسئلة وطلب الإجابات، يمكن أن يتم توضيح المفاهيم، اكتشاف الحلول للمشاكل، وتحقيق التقدم في مجالات مختلفة. ولذلك، كان العلم في الإسلام مرتبطًا بالسؤال المستمر والبحث الجاد.
خاتمة
أدب السؤال هو جزء لا يتجزأ من طلب العلم في الإسلام، وهو يعكس التواضع و الرغبة الصادقة في التعلم. لذلك، من المهم أن نطرح الأسئلة بحسن نية، مع احترام للعلم والعالم، وأن نحرص على أن تكون أسئلتنا بنّاءة و مفيدة. فبذلك نحقق الهدف الأسمى من العلم، وهو زيادة الفهم و العمل بما نعلم، ونكون قادرين على إفادة أنفسنا والمجتمع.