اكره عملي الحالي، نعم انه عمل سيء براتب متدني لا يوفر ادنى الشروط للاستقرار، لساعات طويلة تكاد تشعرني بالغثيان كلما فكرت بها
نعم أعلم ان كافة الاعمال الحقيقية مملة، ومتعبة، وانه لا يوجد احد في الكون يحب عمله "ان لم يكن مؤمنا به"... وايضا اعلم انه علي ان اكره عملي كي اتقدم في الحياة لأحصل اكثر منه...
ما علاقة كلامي هذا بالجد الذي يدعي ان عمره 22 سنة؟...
على الرغم من كرهي لعملي الا انه كان السبب في تعلمي للكثير من الامور الحياتية، علمني ايضا عن الثقافة التركية، جعلني لا استحي من الكلام باللغة التركية حتى مع العرب...وهو الذي عرفني على هذه الجد.
ياتي الجد يومياً ليشرب الشاي، يطلب ذات النوع "فاتح جداً مع حبتي سكر" يأخذ وقته ليفتح مكعبات السكر المغلفة، يرتشف الشاي ببطء وكان العالم متوقف...
ما تعلمته من الجد كان يستجق بقائي في هذا العمل السيء طوال هذه الفترة، او ما اظن انني تعلمته، سأحاول تلخيص كل ذلك في عدة نقاط.
الاتراك يجيبون بالمواليد عندما يسئلون عن العمر؛ الجد، من مواليد ال22، اي ان عمره 94 سنة وهو اكبر انسان عمرا في المدينة.
الحياة تصبح ابطأ كلما تقدمت بالعمر؛ عندما ارى الجد قادما من بعيد احضر له الشاي الخاص به ليكون جاهزا فور جلوسه، بعدهااعود للعمل، اقدم عشرات الاكواب بينما لم يفتح هو بعد مكعبات السكر، اعود له لاعرض المساعدة ليجيب بكلمات عانيت حتى استطعت فهمها "لدي كل الوقت الذي احتاجه، شكرا لك"
تعامل مع الجميع على انهم غرباء؛ الجد هو من مشاهير المدينة، يكفي ان تعيش ما يقارب المئة عام لتصبح مشهورا برأيي، الجميع يحاول تقبيل يد الجد وللكنه يرفض، يبتسم، ويدعوهم لشرب الشاي... كما فعل معي تماما عندما جلست بجانبه لاول مرة.
لا احد يملك الوقت لعجوز في 94؛ لن يقبل احد ممن ارادو تقبيل يد الجد الجلوس لشرب الشاي، ليس لان الجد فقير "فهو احد اغنى اغنياء المنطقة" ولكن ببساطة لا احد يملك الوقت، الرد فقط هو الابتسامة، عليك ان تكون هادئا ومتفهما لتصل لهذا العمر دون مرض في القلب.
لا تغدقهم بنصائحك وتجاربك الحياتية؛ في عملي اجلس مع الكثير من الكبار في السن، منذ فترة قليلة كنت اجلس بجانب عجوز في الستين يتحدث لي عن صعوبة حياته وينصحني بالابتعاد عن المشروب "رغم انني اكدت له انني لا اشربه ولم اشربه" اما الجد فلم ينصحني اطلاقا بفعل شيء، ربما وصل الى مرحلة من الحياة ايقن فيها انك كل النصائح لا تهم ولا تسمن ولا تغني من جوع... لذا توقف فط عن تقديمها واكتفى بالابتسامة والمديح.
الاحترام؛ احترم الجميع... لم امر يوماً، وانا صبي الشاي، من امام الجد الا والقى التحية علي، احنى راسه قليلا وتمنى لي يوما طيباً... لم يتجاهلني مرة واحدة قط، على الرغم من فرق العمر بيننا... ربما هذا اهم اسباب اعجابي الشديد به.
ابتسم؛ كررتها كثيرا في النقاط السابقة لكنها احد اهم الدروس التي تعلمتها من الجد، اتدري كيف تروح عن ابناء المتوفى، كيف تعتذر من شخص اسأت له، كيف تظهر حبك لشخص ما، وكيف تجعل يوم صبي الشاي اجمل مئة مرة... فقط ابتسم من قلبك... هذا كل ما يهم.
وعلى الهامش:
- الرجال لن يتغيروا، وان مرت امرأة جميلة في الشارع، حتى الجد ذو الاربع والتسعين عاما سينظر اليها وكأن عمره 22 سنة... وسيبتسم :)
لم استشعر معنى الابتسامة والكلمة الطيبة إلا من موقف حصل لي، قد يبدو بسيطاً لكنني مازلت ابتسم كلما تذكرته ^^:
كنت خارجة من الجناح في السكن وأحمل ما أحمل من الحزن والهم -جنبنا الله-، بسبب بعض ضغوط الدراسة وغيرها... كانت دموعي في عينيّ، أحبسها بكل قوتي خجلاً ممن حولي من البنات، كنت مختنقة جداً لدرجة أنني لا استطيع حتى أن أنطق بشيء! فهرعت إلى الخارج ولا أعلم إلى أين! ومن شدة ما أنا فيه اندفعت لفتح باب الجناح بقوة للخروج ولكن سبقتني فتاة أراها لأول مرة، وفتحته لي -المفروض أن تدخل هي قبل أن أخرج- لكنها رأتني مندفعة فما كان منها إلا أن تفسح لي الطريق وتنحني مادّة يدها لي لتتقمص دور حارس الأميرة، وبابتسامة من قلبها :"تفضلي ياااا سيدتي".
فاسرعت أكثر عندها لأن دموعي غلبتني ولكن هذه المرة مع ابتسامة عريضة لباقي اليوم^^...
قصتك هذه اعطتني الابتسامة، شكرا ايتها الجندية الانترنتية المجهولة :)
مقال جميل وملاحظة جميلة من شخص مشغول في الخدمة ان ينتبه لتفاصيل دقيقة كتلك .
فعلا كل النصائح " ان لم يطلبها صاحبها واجيانا حتى وان طلبها " لن تسمن ولن تغني من جوع !
مجرد كلام جميل ان تسمعه ان كان يطمئنك او ثقيل ان تسمعه ان كان يؤنبك .
ربما لان من شب على شيء شاب عليه !
الاقتباس في الاعلى من مدير المطعم الذي اعمل فيه...
اما بالنسبة للفتيات :D لا ادري، ربما الامر في الجينات، وربما تكون على حق
تحمد لله ... حان الوقت لاخذ خبرة الاجداد D: .
يرفض رفضا قاطعا ادلاء النصائح... لا ادري لماذا
فيما يتعلق بعدم إعطاء النصائح، فعلا أستخدمها منذ عدة سنوات، وهي الأفضل، حيث أصبحت عندما يخبرني أحدهم عن موقف أو يطلب نصيحة، أسأله عما فعل، وبعد تلقي الإجابه أقول له "هل أنت مقتنع بما فعلت (أو بما ستفعل)" وعندما يجيب بنعم أقول له شيئا واحد، وهو اني أدعمه فقط، أما عن التضييق على الآخرين بالنصائح، فقد توقفت عنه نهائيا، أقرب مثال هو أخي الذي يقوم الجميع بنصحه للتوقف عن التدخين لأنه مدخن شره، رغم كونه طبيبا، شخصيا أتجاهل الموضوع ولا أتحدث عنه لأنه فقط سيتضايق