السلام بمنظور بني إسرائيل

السلام بمنظور بني إسرائيل

مقال منشور باللغة الفرنسية في جريدة lequotidien d’oran

يوم 29-6-2025

الكاتب: مصطفى عقون

بعض الاتفاقات، على الرغم من جدية توقيعها والروعة الدبلوماسية التي تحيط بها، تحمل في طياتها بذور انهيارها. اتفاقيات أبراهام، الذي قُدم على أنه انتصار للسلام، وتقدم جيوسياسي كبير في الشرق الأوسط، يندرج مع ذلك في منطق لا يتعلق بالمصالحة الصادقة بقدر ما يتعلق باستغلال الشعوب والهويات والتاريخ.

وراء التصريحات الرسمية والابتسامات المتوترة لرؤساء الدول، تظهر حقيقة أكثر غموضًا: اتفاق لم يتشكل بناءً على إرادة الشعب، ولا حتى بناءً على اعتبارات اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية، بل بناءً على متطلبات الأجهزة الأمنية، وبهندسة باردة تتجاهل الذاكرة الحية للشعوب، وآلام الاستيلاء التي لا تزال نازفة، وتعقيد الانتماءات الجماعية.

يدعي الاتفاق المسمى ” اتفاقيات أبراهام “أنه يستند إلى الاسم المشترك بين الديانات التوحيدية الثلاث لتبرير التقارب الدبلوماسي بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل. لكن هذا الدعاء، مهما كان رمزياً، لا يمكن أن يخفي الطابع المصطنع لعملية تطبيع تم تصميمها في أروقة غامضة في الدوائر الدبلوماسية الغربية وأجهزة الاستخبارات، بعيداً عن المجتمعات المعنية. إنها تحاول فرض رواية تمحو الصراعات والجروح والإذلال الاستعماري والمقاومة لصالح رؤية نيوليبرالية وأمنية للعالم. الحوار الذي تدعي إقامته ليس حوارًا بين الحضارات، بل حوارًا بين تصورات النخب التي تريد أن تكون مهندسة لنظام إقليمي جديد قائم على الإنكار والخوف والنسيان.

لا يتعلق الأمر هنا برفض فكرة السلام بشكل كامل، فهي فكرة نبيلة وضرورية ومقدسة حتى، بل برفض سلام رخيص، سلام مفروض من أعلى، يتجاهل الثوابت الأخلاقية والسياسية والتاريخية. اتفاق أبراهام لا يحل أي ظلم، ولا يعترف بأي دين أخلاقي، ولا يحترم أي حق أساسي. إنه لا يتطرق إلى الاحتلال، ولا إلى اللاجئين، ولا إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. لا يقترح أي تعويض، ولا يعترف بالجريمة التأسيسية التي كانت طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين في عام 1948. إنه يقيم سلامًا غير متكافئ، حيث يتم تبرئة المعتدي، ويُطلب من الضحية الصمت، وتُجرم المقاومة، ويُرفع النسيان إلى مرتبة الفضيلة.

لذا فإن هذا الاتفاق غير طبيعي في جوهره، لأنه يسعى إلى الجمع بين ما لا يزال يفصله كل شيء بعمق: خيانة لذاكرة شعب، وجراح المنفى المفتوحة، ورموز النضال، وشرعية القضية الفلسطينية، وإرادة الشعوب العربية، التي تعارض في غالبيتها أي شكل من أشكال التطبيع ما لم تتحقق العدالة. اتفاق أبراهام، في هذا الصدد، غير صحيح سياسياً، ليس بمعنى أنه يتضمن لغة جريئة أو استفزازية، بل لأنه ينتهك أخلاقيات السياسة نفسها، التي تتمثل في مراعاة الشعوب وتطلعاتها العميقة. إنه يعكس رؤية للعالم لا تقوم على الكلمة والذاكرة والمستقبل المشترك، بل على المراقبة والمصالح العسكرية والتدفقات الاقتصادية والتلاعب بالصورة.

إنه نتاج مختبر جيوسياسي، صممه استراتيجيون يختزلون المجتمعات إلى متغيرات أمنية، وجماهير يجب احتواؤها، ومشاعر يجب تحييدها. إنه اتفاق صاغته العقول الباردة للاستخبارات الاستراتيجية، وليس مفكرو الحضارات أو بناة السلام. إنه لا يأخذ في الاعتبار التاريخ الطويل، والصدمات الجماعية، والروايات التأسيسية، ولا الحماس الروحي الذي ينتاب شعوب المنطقة. إنه يتجاهل أن الذاكرة لا يمكن فرضها، وأن الهويات لا تذوب في البروتوكولات، وأن العدالة غير قابلة للتفاوض.

تحت ستار العالمية، يحاول اتفاق أبراهام في الواقع إخفاء نواياه العميقة: إقامة نظام إقليمي قائم على الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية، ودمج الدول العربية في بنية أمنية تهيمن عليها الخوف من إيران، وصرف الرأي العام عن القضية الفلسطينية بالابتزاز الاقتصادي، وإعادة كتابة التاريخ لصالح الأقوياء. إنه مشروع هندسة رمزية، رواية بديلة تسعى إلى استبدال الحقائق الحية برواية عقيمة وموحدة، حيث لم يعد للشعوب أي رأي في الأمر. لكن هذا النوع من الاتفاقيات لا يمكن أن يدوم. لأن السلام الذي ينكر العدالة هو وهم. الشعوب ليست ساذجة. فهي ترى أن وراء شعارات السلام تكمن استراتيجيات للهيمنة. وهي تشعر، أحيانًا بشكل مشوش ولكن دائمًا بعمق، أن هذا الاتفاق لا يمثلها، بل إنه يخونها.

لهذا السبب فإن اتفاق أبراهام محكوم عليه بالفشل، ليس بسبب أي لعنة، بل لأنه يجهل القوانين الأساسية للتاريخ البشري: لا يمكن بناء سلام دائم على أساس الصمت المفروض، والكذب التاريخي، والنسيان المبرمج. كرامة الشعوب ليست متغيراً دبلوماسياً قابلاً للتعديل. إنها عصارة المقاومة، ونار الذاكرة، ومحرك النهضة. إن الذين يسعون إلى بناء نظام جديد بدونها، يبنون على الرمال. القضية الفلسطينية ليست تفصيلًا مزعجًا يجب تجنبه في المعاهدات: إنها البوصلة الأخلاقية للعالم العربي. طالما لم يتم تحقيق العدالة لها، فلن تجد أي اتفاقية، مهما كانت موقعة، شرعية في القلوب.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش