خرجت من البيت ذلك الصباح مبكرا، بنشاط غير معتاد. الهواء بارد، والطريق إلى مفرق الحارة هادئ، وكأن المدينة ما زالت نائمة. وقفت أراقب الشارع منتظرا الباص الذي سيقلني إلى العمل في أول يوم لي، أراجع في رأسي ما سأقوله للمدير وأبتسم بثقة.
ظهر الباص أخيرا من بعيد، أصفر اللون يلمع تحت شمس الصباح. توقف عند المفرق تماما كما قيل لي. صعدت بسرعة قبل أن يفوتني، ممسكا الحقيبة بيدي، وأنا أشعر بانتصار صغير لأنني وصلت في الوقت المناسب.
لكن ما إن وضعت قدمي على الدرجة الثانية حتى دوى صوت السائق غاضبا:
"انزل انزل فورا"
تجمدت في مكاني، ظننت أنه أخطأ بي أو أن الباص ممتلئ. حاولت أن أشرح:
"أنا رايح الدوام..."
قاطعني بصراخ أشد، وهو يشير إلى الخلف:
"قلت لك انزل هذا مو باصك"
استدرت مرتبكا، فرأيت العيون كلها تحدق بي بصمت ثقيل... صفوفا من الضفائر والحقائب الوردية والزي المدرسي المتشابه.
اقترب السائق وهو يهز رأسه مستنكرا وقال بحدة:
"هذا باص البنات يا غبي"
عندها فقط فهمت. ونزلت ببطء، بينما تحرك الباص تاركا خلفه صدى ضحكات مكتومة… ومعها تبخر حماسي لأول يوم عمل.
التعليقات