في زمنٍ صار لكلِّ شيءٍ فيه ثمن، حتى الكلمات تُباع، والمواقف تُؤجَّر، والولاءات تُعرض في مزاد المصالح، يبقى هناك شيءٌ واحدٌ عصيٌّ على البيع والشراء: المبدأ.
المبدأ ليس شعارًا نعلِّقه على الجدران، ولا عبارةً رنّانةً نتباهى بها أمام الناس، بل هو ذلك الصوت الخافت الذي يهمس في أعماقنا حين ينام الجميع. هو البوصلة التي لا تتغير اتجاهاتها مهما تبدّلت الرياح، والمرساة التي تمنع الإنسان من الانجراف في بحار الإغراءات والعواصف.
كثيرون يربحون الدنيا ويخسرون أنفسهم. يحصلون على المال، والمكانة، والتصفيق، لكنهم حين يختلون بذواتهم يجدون فراغًا لا تملؤه كنوز الأرض كلها. لأن الإنسان قد يخدع الناس جميعًا، لكنه لا يستطيع أن يخدع ضميره طويلًا. فالضمير شاهدٌ لا ينام، وقاضٍ لا يقبل الرشوة، ورفيقٌ يرافقنا في كل لحظة من أعمارنا.
قد يأتي يومٌ تُعرض فيه على المرء مغرياتٌ تزن الجبال: منصبٌ هنا، أو مالٌ هناك، أو مصلحةٌ عاجلةٌ تبدو كأنها فرصة العمر. عندها لا يكون الامتحان في القدرة على الكسب، بل في القدرة على الرفض. فليس كل ما يُمكن أخذه يستحق أن يُؤخذ، وليس كل ربحٍ يُعدُّ مكسبًا.
وكم من إنسانٍ خرج من معركة الحياة خالي الوفاض في نظر الناس، لكنه خرج منتصرًا في نظر نفسه؛ لأنه رفض أن يبيع قناعاته بثمنٍ بخس. وكم من آخر ملأ يديه بالمكاسب، لكنه عاد إلى بيته مثقل الروح، يحمل خسارةً لا يراها أحد سواه.
إن راحة الضمير ليست رفاهيةً أخلاقية، بل هي أعظم ما يملكه الإنسان. فهي الوسادة التي يضع عليها رأسه آخر الليل، فإذا كانت نظيفةً من الخيانة والغدر والتنازل المذل، نام قرير العين ولو ضاقت به الدنيا. أما إذا تلوثت بالمساومات الرخيصة، فلن تمنحه القصور ولا الأرصدة لحظة سكينة واحدة.
لهذا، ليست القيمة الحقيقية للإنسان فيما جمع، بل فيما حافظ عليه. وليس السؤال كم ربحت؟ بل: ماذا خسرت في الطريق إلى الربح؟
فبعض الأشياء يمكن تعويضها إذا ضاعت، إلا النفس إذا هانت، والمبدأ إذا انكسر، والضمير إذا خُنق. تلك أشياء لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُسترد بسهولة.
لأن أعظم انتصارٍ قد يحققه الإنسان في حياته، أن يربح نفسه حتى لو خسر أشياء كثيرة، وأعظم هزيمةٍ أن يخسر نفسه وهو يظن أنه ربح العالم.