متى ينتهي ذلك؟
كل ما أراه ليس إلا تراكمات تتكدّس، يصعب مواكبتها. منذ أول صفعة تلقيتها إلى النسخة التي أنا عليها الآن. يقال إنّها بضع لحظات وتُختتم الحكاية، في كل مرة نحس فيها أن الفجوة داخلنا بدأت تمتلئ، نظن أنَّنا بلغنا ذروة الحقيقة، ليتضح لاحقًا أنَّها مُجرد مدخل جديد إلى حلقة من احتمالات لا حصر لها. ولن نحظى في كل مرة إلا بفرصة واحدة. كيف بدأ هذا؟ ولماذا نحن هنا؟ وماذا لاحقًا؟
الإجابات التي نحصل عليها في كل مرحلة تمنحنا إحساسًا مختلفًا: أول تجربة، أول اختبار، وأول صدمة. وعندما نتذكر تلك المواقف، يشرع البعض في لوم أنفسهم… ولست متفاجئًا. لكن قبل ذلك، علينا أن نُدرك نقطة مهمة: "ذاتك القديمة ليست إلا تجسيدًا لشخص مختلف تمامًا عمّا أنت عليه الآن. ولو التقيتما، سينشب نقاش محتدم بين طفل بريء وبالغ صقلته تجارب الحياة… تجارب صقلت معدننا، وفي الوقت نفسه انتزعت جزءًا منه."
ارجع بالزمن، وقف أمامه كمستمع لا كناقد. فأنت هنا والآن لا تملك حق الرد، مهما طال الحديث. ستُطرح عليك أسئلة كثيرة، أغلبها يبدأ بـ: “لماذا؟” لكن ما قد يكسر ظهرك فعلًا، أن تُصوَّب نحوك جملة واحدة لا تمتّ لجبر الخاطر بصلة: “أنا لا أريد أن أصبح مثلك عندما أكبر.” هنا… لن أسألك عن شعورك، فملامح وجهك أجابت بالفعل. وسأضطر لخرق بعض القوانين وأتدخل بسؤال: "بماذا ستطالب؟ بحق الرد؟ أم تحتفظ بخيبتك بصمت؟
أم تطلب فرصة ثانية… عودةً إلى الماضي لتعديل ما يمكن تعديله؟
صديقي العزيز، أختي الكريمة،
لو أمكننا العودة… فلن نقابل إلا بالرفض، وربما جعلنا الأمور أسوأ. من أراد أن يتأكد، فليحاول استحضار ذلك الطفل الذي كان عليه. ما نراه اليوم من بعض الأهالي، قد يكون انعكاسًا قاسيًا لذلك الطفل… ثورة على القوانين القديمة، ومحاولة لكسر صورة “الضعف” التي عاشوها.
لكن المشكلة تظهر حين يتحول التصحيح إلى غُلُو، وحين يُنظر إلى الماضي كوصمة يجب محوها دون تَفَهُّم. يظهر هذا جليًا عند أولئك الذين لم يبلغوامرحلة النُّضج الفكري، فيرون في الجيل الجديد فرصة وحيدة لتصحيح أخطاء الماضي، دون أن يعالجوا أصل المشكلة.
إذا نظرنا إلى هذه المعضلة من ذلك المنظور، تتضح حقيقة بسيطة: "لا يمكننا تغيير الماضي، لكن يمكننا تصحيح ما نتج عنه."
لكن لدينا فرصة لجعل ماضي طفل أخر أفضل… بالتوجيه، دون عقدة السيطرة، والتفهم بلاقيود يحكمها الجهل. لا يمكننا الإلمام بكل المعرفة، والتراكمات السابقة لا تحتاج إلى مقاومة بقدر ما تحتاج إلى فهم… بعدها نقل تلك التجربة بطريقة سليمة لمن يأتي بعدنا قبل أن نغادر أجسادنا.
هي سلسلة جوع… عقلٌ لا يشبع، ونفسٌ لا تقنع.