إنه ليس قصة أطفال بريئة ولا رواية خيالية أو رواية مبنية عن قصة واقعية ، علم التاريخ ميدان تتصارع فيه الأقلام قبل القاذفات. ليس بالمجمل عبارة عن أكاذيب، لكنه يقينا ليس حقيقة نقية . مزيج حاد من الوقائع المثبتة والتفسيرات المتحيزة، المكان الذي تتحكم فيه المصالح والتوجهات الفكرية في هيكلة سرد الأحداث.

الإشكال ليست في الحدث التاريخي ذاته، إنما في كواليس كتابته. في لحظة ما، تلقي الموضوعية إلى عمق أخدود وتضرم النار بها، الموضوعية التي تصنف كحجر الأساس لأي معرفة متينة الأوصال، تصبح في التاريخ هدفا بعيد المنال. الحدث الواحد تصدر روايته على عدت نسخ ، رواية المنتصر ، رواية المنهزم ، رواية الشاهد ، وأخرى يصوغها مؤرخ من وراء مكتب، ينشدون بأعلى صوتهم: “هذه هي الحقيقة!” والحقيقة السائدة غالبا ليست إلا زاوية نظر تمتلك منبرًا أعلى.

ولم يكتفِ العبث بهاته الطريقة فقط؛ بل سُحب التاريخ إلى عالم الترفيه، ورشة تُفصّل فيها الوقائع على مقاس الجمهور. تضخيم أحداث وتقزيم أخرى، وإقحام أفكار معاصرة في أزمنة لا تمت لها بصلة، فقط من أجل توسيع القاعدة الجماهرية. وهكذا، يتحول عالم الترفيه إلى مصانع لإنتاج ذاكرة زائفة أشد تأثيرًا على المستمع.

يدرك المؤرخون الجادون حجم الثغرات والفجوات في السرديات، فيبنون فرضيات لربط ما انقطع من الأحداث. المشكلة ليست في صياغة الفرضية، بل في لحظة تحويلها اجتماعيًا إلى “حقيقة مقدسة” تُدرس وتُلقّن. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك توجهات أخرى صارمة ومنهج نقدي يحاول غربلة الروايات ومقارنة المصادر لكن أغلبهم يُجبر على الصمت أو يزجُّ بهم في السجون أو يختفون بطريقة غامضة، لكنه يبقى صراعا دائما مع الذاتية البشرية.

لنعش الواقع، أبطال الأمس مجرمون في كتب الأعداء، وخونة اليوم قد يُرفع لهم التمثال غدًا. وتبقى المصالح أقوى من الشعارات، والنفاق حاضرًا بقوة، ذات الواقع الذي تتذبذب فيه المعايير ويتغيّر فيه معنى الوفاء والخيانة.

حتى وإن بدى صاحب الحق منهزما ، فقد انتصر، ورغم قلة العدة والعتاد ، فقد علم العالم أجمع ولو أنكر بعض الحمقى، ورغم الحصار ورغم الخيانة، ورغم ما يروجه العدو عن نفسه، كشف لنا عن جبنه وكشف لنا نفاق بعضهم.

رحم الله كل شهيد صادق النيّة دافع عن شرفه وشرف من يستحق وأذل الله كل منافق وعديم شرف.