في دائرةالضوء

  • demane

الإضاءة لا تخلق الجوهر

تم تصميمي لأتدلى من سقف صالةٍ أنيقة. أرى بمنظور عين الصقر كل شيء … دون أن أُلاحظ حتى. مرت السنوات وأنا أوزّع الضوء بعدل، لا أفضّل شيئًا على آخر، فقط أُنير ما هو موجود، كما هو.

أسفل مني، عاشت سجادة عتيقة، نُسجت يدويًا بأنامل ماهرة، مرّت عليها قصص كثيرة، أقدام كثيرة، وذكريات كثيرة. لم تكن تتذمّر. فقط تستمع لصمت الزائرين، وتمتصّ ما يسكبونه فوقها من ضجيج الحياة. وكأي قصة من من نسج خيال الكاتب، عليه أن يضع نقطة لتحول الأحداث… وضعوا في وسط الصالة مكعّبًا ذهبيًا. لا أعلم في ماذا يفكر... لكن سايروه فقط، كان المكعب لامعًا، بلا وظيفة محددة، فقط شكله يسرّ الناظرين.

أعلنوا بأنَّه تحفة فنية حديثة، وصرَّح آخر أنه رمز متفرّد. لكن كل ما كنت أراه يجلس هناك فقط… يأخذ الثناء على حساب نور غيره. جارتي النافذة، العتيقة مثلي، همست لي: "ألم تلاحظ أن الأعين مؤخر لا تلاحظ إلا ما يلمع؟" وأدرك تمام الإدراك، أنَّكم فهمتم المقصود. وتجنبا لقول ما لا يليق، أومأت بنوري، فليس لدي حسنات كثيرة لأفقدها، لكن لاحظت حقا بعض الأثر السلبي، فالسجادة بدأت تُهمل، لا أحد يلقي لها بالا، الكل يلتف حول المكعب، ولا يذهب بالك بعيدا وتتهمني بالكفر، أنا أتحدث عن ذلك التحفة الفنية الحديثة، وكما أخبرتكم لا أريد أن ينفذ رصيد حسناتي، ... ولكن وكلما زاد انبهارهم به، كلما زادت الزوايا التي أضيئها حوله، فقط ليفهموا أنه لا شيء فيه… لكنه ظل في عيونهم أكثر مما هو في حقيقته. حتى جاء يوم، انقطع فيه نوري بمحض الصدفة البحتة… سادت العتمة، فاختفى المكعب. لا ظلّ له. لا وهج. لا شيء. حينها فقط، شعر أحد الحضور بخشونة السجادة تحت قدمه، حينها قال: "لم أنتبه لهذا النسيج من قبل…" لكن لا أحد التفت إلى الأعلى… إلى من كان يضيء الزيف… ويحاول أن يفضحه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قصتك مثيرة للتأمل، يمكن اكثر نص كتبته حضرتك وشعرت أنه له كذا بعد، ويمكن قراءته من أكثر من زاوية، وهذا شيء جيد في الحقيقة

لكن لاحظت حقا بعض الأثر السلبي، فالسجادة بدأت تُهمل، لا أحد يلقي لها بالا، الكل يلتف حول المكعب، ولا يذهب بالك بعيدا وتتهمني بالكفر

بهذه الجملة وجهتني للزاوية التي تحاول أن تبتعد عنها😂 هذه طبيعة بشرية للأسف ، اعتقد أنه كان من الأفضل ألا تكتب هذه الجملة وتترك كل قارئ حسب تفكيره ورؤيته

demane أضف ردا

دائما ما أحاول ترك النص كمرآة، كل قارئ يرى فيه شيئًا من تجربته أو واقعه. وبخصوص الملاحظة حول الجملة، أتفهم تمامًا ما أشرتِ إليه… وربما كنتُ أقف حين كتبتها بين حاجتي لكسر الصمت بنبرة ساخرة، ورغبتي في أن أترك المعنى بلا تصريح. لكن كما قلتِ، الطبيعة البشرية تميل أحيانًا لتفسير الأمور بطريقة مباشرة، وربما تلك الجملة كانت بمثابة وميض ساخر من المصباح نفسه، لا من الكاتب. ومع ذلك، سآخذ هذه الملاحظة بعين التقدير في النصوص القادمة.

الفكرة الرمزية التي استخدمتها ساحرة... المصباح لا يُرى لكنه يكشف كل شيء بينما المكعب يُرى فقط لأنه مضاء كم يشبه هذا الواقع من حولنا! فقد أصبحنا ننجذب لما يلمع حتى وإن كان فارغًا ونهمل ما له قيمة حقيقية فقط لأنه لا يلفت الانتباه... أحيانًا من يسلط الضوء على الحقائق لا يُقدّر بل يُنسى بينما يلمع الزيف تحت ضوئه

أصعب ما في الأمر أحيانًا، أن يعتاد الضوء على ألا يُرى… أن يُنير لغيره ثم يُنسى، كأنه خُلق ليكون خلف الصورة دومًا، لا داخلها. المكعب قد يلمع بلا سبب واضح، والناس تنجذب… لا لأنهم بلا وعي، بل لأن بريقه أسهل من مواجهة خشونة الحقيقة تحت أقدامهم. ربما لأن الحقائق لا تلمع، بل تُخدَش وتُسكب عليها أعمار وسنين.

أسلوبك مميز للغاية أ. محمد، فقصصك دائمًا ممتعة وتحمل عمقًا وأبعادًا كثيرة في ما وراء الكلام أو القصة.

لا تحزني أيتها الثريا الجميلة فالقمر مثله مثل المكعب يتغزل الناس به وبجماله منذ قرون ولا أحد يذكر فضل الشمس التي وهبته هذا الوميض التي بدون أشعتها سيكون مجرد جسمًا معتمًا يدور في الفضاء.

للأسف ينجذب الكثير من الناس لكل ما هو براق ولامع دون التفكير في الجوهر الحقيقي.

demane أضف ردا

شكرًا لكِ سهام على تشبيهك العذب… نعم، يشبه حالي حال الشمس، أضيء بصمت، وأمنح النور دون أن يُذكر اسمي.

وكم هو موجع أن يُحتفى بمن يعكس الضوء، لا بمن يمنحه… حتى حين خفت بريق المكعب، كانت النظرة الأولى للسجادة. فليس الجميع يرفع عينيه ليرى من كان يضيء كل شيء من الأعلى…

لابد أن نكون منصفين، فحتى لو كانت الشمس هي من تهب القمر نوره، فالنظر للشمس مؤلم للعين، كما أن الشمس تكون أحياناً شديدة الحرارة..

والعيب الذي في القمر أصبح ميزة لأنه غير موجود دائماً، كما أنه ينير الدنيا وهي ظلام ونفتقده إذا لم يكن موجود، والنظر إليه مريح للعين..

عَكَس القمر نور الشمس، وكانت هذه الحقيقة معضلة في العصور القديمة قبل اكتشافها علميًا. فبعيدًا عن الخرافات والأساطير، اعتقد الناس أن القمر هو مصدر نوره. وعندما قرر أحدهم كشف الحقيقة، نعلم جميعًا ما حدث له، لأنها خالفت الفكر الديني السائد آنذاك.

ما نود الإشارة إليه حقًا هو أن البحث عن الحقيقة من مصدرها، أو معالجة المشكلات من جذورها، أفضل بكثير من الاكتفاء بعلاج الأعراض.

كما أن القصة تشير إلى وجود أشخاص يُحرّكون مجرى الحياة بعلمهم، أو بمعرفتهم، أو حتى بنفوذهم وقوتهم حياة آخرين يتقمصون دور التابع بكل براعة.

مسألة "النظر إلى الشمس أو القمر" تظل وجهة نظر مهمة؛ فرغم أن القمر لا يملك نورًا خاصًا به، إلا أنه اعتمد على نور غيره لينشر الفائدة. لكن ليس الجميع يفعل ذلك بنزاهة…

فوفق هذا المبدأ، واذا أستغلت بخبث عبر تهميش الأصل قد تُسرق أفكار وعلوم، ويُنسب الفضل لغير أصحابه الحقيقيين، وهذه أيضا حقيقة مرعبة

كثيراً ما نلاحظ قوانين غير عقلانية ولكنها متكررة، مثلما ذكرت أن مصدر الضوء مهمل والكل يلتف حول الصندوق الفارغ، لذلك أنا أفكر لماذا ننتقد هذه القوانين رغم أنها قديمة قدم الكون نفسه؟

مع أنه من الممكن أن نتوافق معها ونستخدمها لفائدتنا..ولو كان العيب في المجتمع الذي يرى المكعب، فهناك بالتأكيد مجتمعات تنظر للثريا!

نحن نسلط الضوء حول هذه المفاهيم ليس للهجوم عليها بل لتكوين وعي حولها، المجتمعات التي تنظر للثريا يمكنها تحريك الشعوب التي تنظر للصندوق الفارغ ، خصوصا إذا وجدو طريقة للتحكم في شدة الضوء. المشكلة في أصحاب الصناديق هي أنه قد لا يمكن توقعهم دوما بصورة صحيحة، ما قد يقود لاظطرابات يتبرأ منها أصحاب الثريا.

مبدأ الثريا، يمكن تطبيقه في جميع مجالات الحياة ، الحياة الشخصية، تربية الأبناء، العمل وخصوصا الحروب التى تعتبر وسيلة وليس هدفا.

المجتمعات التي تنظر للثريا يمكنها تحريك الشعوب التي تنظر للصندوق الفارغ

مع احترامي للفكرة لكن ذلك ليس هو الواقع، المجتمعات القوية هي التي تقود، ويحدث ذلك سواء كانت تنظر للثريا أو للصندوق..

الثريا ترمز لأصل الحقيقة وليس بالضرورة العلم أو الفن يمكن للثريا أن تكون أي وسيلة يمكن استغلالها والتحكم بشدتها . كما أن القوة لم تأتي من فراغ.

قد تكون أحياناً الحقيقة هي القوة، لكن مما نشاهده ونعرفه أن الكذب والخداع قوة لا يستهان بها أيضاً، ففي حقول السياسة والحرب لا يمكن أن تكون أقصر الطرق للحقيقة هي أكثر الطرق فائدة، بل يتم تغليف الحقيقة بعديد من الأغلفة وهذا ضروري..

يعتمد الأمر على المبدأ الذي يتبناه الإنسان؛ فمن يستند إلى كتاب الأمير، سيحوّل العالم الذي نعيش فيه إلى عالم تحكمه السياسة الواقعية بكل دهائها وتقلباتها. أما من يقرأ كتب مالك بن نبي، فقد يستطيع بناء سنغافورة جديدة، بروح حضارية وفكر تنموي. هناك مفاهيم عديدة كذلك في كتابات نيتشه وغيرِه، وكل مبدأ يوجّه الواقع بطريقته.

بعض الحروب تقوم على مبدأ: "لم نجد حلاً آخر سوى القتال للدفاع عن أنفسنا". لكن هناك حروبًا أخرى تنبع فقط من عقلية صاحبها، وطريقة رؤيته للعالم. وفي النهاية… من يُتقن فن "تغليف المبدأ" وتقديمه للناس، هو من يمتلك الثريا التي توجّه الضوء حيث يشاء