المزاج! لماذا ينقلب فجأة؟

مصطلح المزاج والمزاجية من أكثر المصطلحات التي لم أستطع تصديقها منذ الصغر، ولا زلت!

كيف يمكن لشخص أن يمر بتغيير مفاجئ في حالته العاطفية دون سبب واضح، تغيير يؤثر على أدائه لأبسط مهامه اليومية؟ وكيف يصبح "المزاج" عائقاً وعذراً يحول بين الشخص وتحقيق أهدافه؟

هذا التساؤل لم يكن فلسفياً فحسب، بل كان متجذراً في طريقة تفكيري كمهندسة كهرباء. في العلم الذي يشرح فيزياء التيار وحركة العالم، ثمة مبدأ راسخ: لكل شيء سبب. لا شيء يحدث من فراغ، ولا تأثير بلا مؤثر. ومن هذا المنطلق، لم أستطع يوماً أن أهضم فكرة أن المزاج يظهر "هكذا"، بلا مسبب.

حتى بدأت رحلتي في شغفي بالتدريب على القيادة والوعي الذاتي، في مساعدة الأشخاص على اكتشاف كنوز مدفونة بداخلهم. وفي هذه الرحلة، وعبر ما تشرحه علوم النفس وعلم الأعصاب، وجدت الإجابة.

المزاج يُشرَح تحت مسمى: المحفزات.

دعني أبسّط ذلك بهذا المثال:

تخيّل عطراً كان يستخدمه شخص عزيز عليك. حين تشم هذا العطر في مكان آخر، أو على شخص آخر تماماً، تسري في داخلك مشاعر كنتَ تحملها لذلك الشخص، بشكل مفاجئ وبلا مقدمات.

ما حدث هنا هو تفسير المزاج بعينه.

وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظة جوهرية: المزاجية ليست صفة شخصية. لا يوجد "شخص مزاجي" بطبعه، بل هي حالة يمر بها الشخص، وهي ليست هويته.

إليك آلية ما يحدث:

من خلال الحواس الخمس، رائحة، صوت، وجه، مكان، طريق، يقوم الدماغ بتسجيل هذه العناصر الخارجية مقرونةً بالمشاعر التي عشناها في تلك اللحظة، وخاصةً حين تكون تلك المشاعر في ذروتها. فيتشكّل ارتباط راسخ بين الشيء الخارجي والحالة العاطفية.

وحين تتعرض لاحقاً لذلك المحفز الخارجي، دون موقف جديد، ودون سابق إنذار، يقوم الدماغ تلقائياً باستدعاء المشاعر المخزّنة معه، فتمر بحالة عاطفية مشابهة تماماً لما مررتَ به في تلك اللحظة الأولى.

المرة القادمة التي تشعر فيها بـ"المزاج"، توقف وسأل نفسك:

ما المحفز الذي أشعل هذه المشاعر؟ما الشيء الذي تم تخزينه وتسجيله معها؟

تأمّل ما حولك في تلك اللحظة. الإجابة موجودة، وهذا الوعي وحده يغيّر كل شيء.