رسالة من المنفى.

  • what_the

هذه قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش يصف فيها المنفى و بعده و اشتياقه لأهله ووطنه.

-

1

تحيّة ... و قبلة

و ليس عندي ما أقول بعد

من أين أبتدي ؟ .. و أين أنتهي ؟

و دورة الزمان دون حد

و كل ما في غربتي

زوادة ، فيها رغيف يابس ، ووجد

ودفتر يحمل عني بعض ما حملت

بصقت في صفحاته ما ضاق بي من حقد

من أين أبتدي ؟

و كل ما قيل و ما يقال بعد غد

لا ينتهي بضمة.. أو لمسة من يد

لا يرجع الغريب للديار

لا ينزل الأمطار

لا ينبت الريش على

جناح طير ضائع .. منهد

من أين أبتدي

تحيّة .. و قبلة.. و بعد ..

أقول للمذياع ... قل لها أنا بخير

أقول للعصفور

إن صادفتها يا طير

لا تنسني ، و قل : بخير

أنا بخير

أنا بخير

ما زال في عيني بصر !

ما زال في السما قمر !

و ثوبي العتيق ، حتى الآن ، ما اندثر

تمزقت أطرافه

لكنني رتقته... و لم يزل بخير

و صرت شابا جاور العشرين

تصوّريني ... صرت في العشرين

و صرت كالشباب يا أماه

أواجه الحياه

و أحمل العبء كما الرجال يحملون

و أشتغل

في مطعم ... و أغسل الصحون

و أصنع القهوة للزبون

و ألصق البسمات فوق وجهي الحزين

ليفرح الزبون

-3-

قد صرت في العشرين

وصرت كالشباب يا أماه

أدخن التبغ ، و أتكي على الجدار

أقول للحلوة : آه

كما يقول الآخرون

" يا أخوتي ؛ ما أطيب البنات ،

تصوروا كم مرة هي الحياة

بدونهن ... مرة هي الحياة " .

و قال صاحبي : "هل عندكم رغيف ؟

يا إخوتي ؛ ما قيمة الإنسان

إن نام كل ليلة ... جوعان ؟ "

أنا بخير

أنا بخير

عندي رغيف أسمر

و سلة صغيرة من الخضار

-4-

سمعت في المذياع

قال الجميع : كلنا بخير

لا أحد حزين ؛

فكيف حال والدي

ألم يزل كعهده ، يحب ذكر الله

و الأبناء .. و التراب .. و الزيتون ؟

و كيف حال إخوتي

هل أصبحوا موظفين ؟

سمعت يوما والدي يقول :

سيصبحون كلهم معلمين ...

سمعته يقول

( أجوع حتى أشتري لهم كتاب )

لا أحد في قريتي يفك حرفا في خطاب

و كيف حال أختنا

هل كبرت .. و جاءها خطّاب ؟

و كيف حال جدّتي

ألم تزل كعهدها تقعد عند الباب ؟

تدعو لنا

بالخير ... و الشباب ... و الثواب !

و كيف حال بيتنا

و العتبة الملساء ... و الوجاق ... و الأبواب !

سمعت في المذياع

رسائل المشردين ... للمشردين

جميعهم بخير !

لكنني حزين ...

تكاد أن تأكلني الظنون

لم يحمل المذياع عنكم خبرا ...

و لو حزين

و لو حزين

-5-

الليل - يا أمّاه - ذئب جائع سفاح

يطارد الغريب أينما مضى ..

ماذا جنينا نحن يا أماه ؟

حتى نموت مرتين

فمرة نموت في الحياة

و مرة نموت عند الموت!

هل تعلمين ما الذي يملأني بكاء ؟

هبي مرضت ليلة ... وهد جسمي الداء !

هل يذكر المساء

مهاجرا أتى هنا... و لم يعد إلى الوطن ؟

هل يذكر المساء

مهاجرا مات بلا كفن ؟

يا غابة الصفصاف ! هل ستذكرين

أن الذي رموه تحت ظلك الحزين

  • كأي شيء ميت - إنسان ؟

هل تذكرين أنني إنسان

و تحفظين جثتني من سطوه الغربان ؟

أماه يا أماه

لمن كتبت هذه الأوراق

أي بريد ذاهب يحملها ؟

سدّت طريق البر و البحار و الآفاق ...

و أنت يا أماه

ووالدي ، و إخوتي ، و الأهل ، و الرفاق ...

لعلّكم أحياء

لعلّكم أموات

لعلّكم مثلي بلا عنوان

ما قيمة الإنسان

بلا وطن

بلا علم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان

ما قيمة الإنسان

بلا وطن

بلا علم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

hade.alahmad1 ألا تعتقد أنه وصف الغربة بطريقة دقيقة و مؤثرة لا تقدر اللغة العامية البسيطة على ايصالها؟

اوصلها بطريقة كئيبة :") اسلوبه مميز، لا احد يختلف على ذلك... ولكن الكلمات العادية قادرة على ايصال ذلك دون الشعر

متعنت

رويدك صديقي..

اوصلها بطريقة كئيبة :")

اذاً وصلت العاطفة التي أرادها بالطريقة الصحيحة..

ولكن الكلمات العادية قادرة على ايصال ذلك دون الشعر

ليس فقط الشعر بل جميع الكتابات الأدبية الإبداعية تسهل علي التواصل، من الصعب جداً جداً علي أن لا أتعثر بالعامية لايصال فكرتي التي أنشدها، لذلك يدهشني أن العامية تكفيك في التعبير عن نفسك. .. أندهش من جميع من يكتفي بالعامية و ليس منك وحدك..

كيف تفعل هذا؟

لا اتحدث عن العامية هنا، اتحدث عن الاسلوب البسيط في الكتابة، اللهجة العامية لا تكفي لقول عبارات مثل "اريد ألا أفعل هذا مجدداً"...

حديثي عن ان هذه القصيدة كانت لتلخص بنص أدبي قصير من أربع أسطر ربما، على يد محمود درويش ذاته، وكانت لتخرج بالجمال ذاته

لست انني اقول "اوه علينا ان نتوقف عن كتابة الشعر" لان الشعر فن من الفنون، لا يمكن الحكم عليه بهذه الطريقة، ولكن فقط اقول "لو انا محمود درويش، لحولتها الى مقالة قصيرة، هكذا اسرع"

أوه حسناً هذا يفسر الكثير.

و لكن للنص الشعري موسيقى مختلفة عن النص الأدبي النثري، كلاهما صنفان مختلفان، و لو أني أفضل النثر كثيراً إلا أني لا أقلل من القيمة الجمالية للشعر.

محمود درويش هو الشاعر المفضل لدي .. طريقته مميزة في التعبير و إن كنت لا أقرأ الشعر كثيرا .. لكن لمحمود درويش مكانته المميزة

الصراحة أنه ليس شاعري المفضل لأنه يتكلف بألفاظه كثيراُ خاصة في شعر الغزل إلا أن لديه نكهة خاصة في الأدب الوطني و أدب المنفى لا يمكن تجهاهلها أو إنكارها.

الأذواق تختلف .. بالفعل فالأدب الوطني و أدب المنفى هو نقطة قوته في حين أن نزار القباني مثلا أرى قوته في شعر الغزل

بالرغم من مجون نزار قباني إلا أن الغزل لعبته التي برع بها بشكل فذ.

أرى قوته في شعر الغزل

تعمقي في القراءة لنزار قباني وستجدين له أشعار جميلة خارج نطاق الغزل.

نعم لم أتعمق كثيرا في القراءة لنزار و أدرك أنه يمتلك العديد من الأشعار خارج الغزل غير أن ما تميز به و ارتبط باسمه هو الغزل

لم أقرأ له أي شيء سوى الغزل لم أعرف أن لديه كتابات بغير هذا الموضوع.

يبدو أنني سأكون شاكراً لهذه الحرب بينكما hade.alahmad1 ، اكتشفتُ أنني لا أعرف شيئاً عن الشعر :')