في الحانة يجلس مرهقاً من الذكريات، يرتّب أفكاره فوق أوراق صفراء أتعبها الزمن. أقلام جفّ مدادها من كثرة ما كتبت عن الحقيقة… دون أن تراها يوماً
يتخلله شرود طويل بين الكلمات والحروف التي اعتاد مصادقتها ذات مساء بعيد. ربما كان يقرأ جرائد الصباح في آخر الليل، وربما كان يسمع موسيقى لغجر إسبانيا ولا يفهم ما يقولونه، لكنه بدا منسجماً معهم كأن الجمال يملك لغة واحدة في جميع البلاد
يرتشف قليلاً من كأسه الذائب بثلج دافئ، بينما كان قنديل صغير يراقصه الهواء
نظر إليه وضحك فجأة
قال له:
هل ترقص محبةً… أم ترقص من الألم؟
ولم ينتظر جواباً كان ينتظر رقصة جديدة بلطف تمنعه من الانطفاء قبل إنهاء الحكايا
كان يضحك أكثر عندما ينعته الآخرين بالمجنون
في قاموسه الخاص، كان أكثر الناس صدقاً هم الفنانين و المجانين
وألطف المخلوقات الأطفال والعصافير
لأنهم لم يتعلموا بعد كيف يخفون أرواحهم
في الخارج كانت الريح تدفع أوراق الخريف نحو الأرصفة الفارغة، كأنها ترشد الأشياء الضائعة إلى مكان تعرفه وحدها. وعلى طرف الشارع كان عصفور صغير يقفز بالقرب من نافذة الحانة، ينقر الزجاج ثم يبتعد قليلاً ثم يعود من جديد
راقبه بصمت
ابتسم ابتسامة صغيرة تشبه اعتذاراً قديماً
قال في سرّه
غريب أمر العصافير...
تقضي عمرها تبحث عن غصن صغير ترتاح عليه، ثم ما إن تجده حتى تعود وتطير
أشعل سيجارة أخرى. تصاعد الدخان ببطء حتى اختلط بضوء القنديل المرتجف. للحظة شَعر أن الأرواح أيضاً ربما تفعل الشيء ذاته؛ تقترب من بعضها قليلاً، تستريح عند بعضها قليلاً، ثم تمضي دون أن تعرف لماذا.
على الطاولة المقابلة كانت يده ممدودة قرب الكأس.
باردة قليلاً
ومتعبة قليلاً
كأنها تنتظر شيئاً صغيراً جداً ....
لا أكثر من يدٍ أخرى تمرّ بقربها مصادفةً وتقول لها بهدوء
لقد تعبت كثيراً... استرح الآن بهدوء
من هنا ننبض 💓
✍🏻رامي الباسط