(إلى وهمٍ كان)

وصلتني رسالتك، أيها المجهول.

وترددت كثيرًا قبل أن أكتب لك... لم تكن إلا هذيانًا من رجلٍ لا أعرفه تمامًا، أو ربما أعرفه أكثر مما يظن.

لكن شيئًا في كلماتك استوقفني، دفعني أن أفتح صندوق الذكريات الذي أغلقته منذ زمن، وسألتني:

«هل كانت تلك النظرات التافهة بيننا ذات يوم، حقيقية؟».

أخبرك الآن:

نعم، كانت حقيقية...

وأكثر مما كنت تتصور.

لكنك نسيت شيئًا مهمًا.

أنت تملك حرية أن تقول لزوجتك إنك كنت معجبًا بفتاة قبْلها.

أنا؟ لا أملك حتى حرية التفكير بتلك المرحلة.

إن تذكرتُ، فأنا آثمة، وإن تكلمت، فأنا ساقطة.

ذكريات النساء تُدفن، رغباتهن تُخنق، وأسئلتهن تُعد وساوس شيطان.

أرأيت الفرق، يا عزيزي؟

ثم تقول إنك ندمت لأنك لم تتزوجني.

منعك الخوف، تقول.

لكن لا أحد منعك من الكلام، من الرفض، من القرار.

لم تكن عبدًا، كنت فقط جبانًا.

بينما أنا -بلا أي امتياز- صمتُّ، فرضيتُ، فسار القطار، وأنا فيه.

ليس لأنني اخترت، بل لأن لا أحد سألني.

قلتَ إنك كنت تُخَيَّر بين بنات، وإنك اخترتَ من بينهن.

أما أنا؟ لا خيار، لا سؤال، لا صوت.

السكوت عندنا قانون، وحُجَّة، وإدانة في الوقت نفسه.

تظن أنك اختلفت عن زوجي؟

كل الرجال متشابهون، حتى حين تتغير أفكارهم، تظل أفكارًا فقط، تُقال في رسائل، لا تُترجم في الواقع.

أما عن الأطفال...

قلتَ إنك لا تحب كثرتهم.

لكنني لست مثلك.

أنا، مثلي مثل أمي وأخواتي، أنجب كي أعيش.

وجود أطفالي هو الشيء الوحيد الذي أملكه.

زوجي -مثلك- كثير السفر، كثير الغياب.

وإن كنتُ آلة للعمل، فأنا في الأقل أعمل من أجل أولادي، لا من أجل هروب طويل من الذات.

قلت إن حياتي تافهة، وأنا أقول لك:

لو لم أنجب، ما الذي يبقى لي في هذه الحياة؟

لا تعليم، لا وظيفة، لا مستقبل... في الأقل أنا أم، وزوجة أمام الناس.

وذلك وحده، يا عزيزي، كافٍ ليمنحني ظلًا… وإن كان وهمًا.

في النهاية...

الفرق بيني وبينك ليس في الحب، بل في القدرة على قول الحقيقة.

أنا إنسانة.. لا حول لي ولا قوة.

أما أنت.. فجبان.

فمَن أحق أن نلوم؟