Aymen Yh, [05/10/2025 13:54]
< بين الركام والأمل >
استيقظت على صوت الانفجارات التي مزقت هدوء الحي في أوج الليل، واهتزت الجدران حولي مع كل انفجار. صرخات الأطفال والنساء تتخلل الهواء المملوء بالغبار والدخان، وأصوات السيارات المشتعلة تتردد بين الأزقة.
– ماذا يحدث هذه المرة؟ – تساءلت وأنا أرتدي سترتي بسرعة، وأهرع نحو الشارع.
الدمار كان شاملاً. أعمدة إسمنت متكسرة، جدران منازل مهشمة، نوافذ محطمّة، وأشلاء شهداء تملأ الأرض. من كل اتجاه، أصوات طلب النجدة تتصاعد، وقلبي يخفق بعنف.
أطفال يبكون وسط الركام، أمهاتهم تحاول حملهم أو تهدئتهم، كبار السن يصرخون من الألم والخوف، والناس تحاول النجاة بما استطاعت أيديهم الهشة الإمساك به.
سمعت فجأة صرخة تتخطى كل الضجيج:
– ابني! أنقذه!
كانت امرأة واقفة بين الركام، عيونها ممتلئة بالدموع، وصوتها يختلط بصوت انفجار قريب جعل الأرض تهتز تحت قدمي.
تقدمت بسرعة نحو المكان، وكل خطوة كانت صعبة بسبب الحطام المتناثر والحرائق الصغيرة التي التهمت ما تبقى من المنازل.
رأيت الطفل هناك بين الركام: صغير لا يتجاوز سبع سنوات، وجهه مغطى بالغبار والدخان، ويداه تمتدان نحو الحرائق وكأنهما تستنجدان.
– لا، لا يمكن الوصول إليه! – صرخت داخليًا، بينما شعرت برعب يلتهم كل جزء من جسدي.
لكن لم يكن هناك خيار. تقدمت عبر الركام المتطاير، كل خطوة كأنني أمشي فوق جمر متقد. اللهب يقترب مني، والدخان يملأ رئتي، لكن عيون الطفل تمسكت بي، وقلبي تمسك بالأمل.
أمسكت بالطفل بحذر، وبدأت أبحث عن فجوة بين الأنقاض. أصابعي تجرحها الحجارة، والحرارة تلسع جلدي، والدخان يخنق أنفاسي، لكن لم أستطع التراجع.
سمعت صوت زميل خلفي:
– أمسكه! أخرجه معي!
أعطيته له، وخاطرت بخطوة للأمام، لأرى الأم تصرخ بصوت يشق السماء:
– ابني!
ركضت خلف الركام المنهار، وكل انفجار يجعل الأرض تهتز تحت قدمي. شعرت وكأنني أغرق في بحر من اللهب والدخان، لكن شيئًا داخلي لم يترك الخوف يسيطر عليّ.
فجأة، انهار سقف المنزل الذي كنت أقف عليه، وغطى الغبار المكان كله. لم أعد أرى شيئًا سوى الرماد والدخان.
– هل هذه نهايتي؟ – همست لنفسي، وأنا أتنفس بصعوبة، وكأن الأكسجين يهرب من جسدي.
تذكرت كل ما مررت به: صدمات العلاقات السابقة، خيانات، فقدان الأصدقاء، لحظات ألم لم يشاركها أحد معي. شعرت أن كل التجارب السابقة تصب في هذا الاختبار الأخير.
لكن تذكرت وعدي لنفسي:
– مهما حدث، لا يجب أن أفقد الإيمان.
وجدت فجوة صغيرة بين الركام، وزحفت عبرها نحو الهواء الطلق. الدخان خلفي، والدموع تختلط بالغبار، لكن شعور النجاة كان أقوى من أي ألم سابق.
رأيت الأم تمسك بالطفل بين يديها، ودموعها تختلط بالدماء والغبار، لكنها لم تبتعد عني للحظة، كأنها تعترف بوجودي كمخلص مؤقت لها ولطفلها.
– شكراً… شكراً لك… – همست، صوتها مكسور، لكنها ممتلئة بالامتنان.
لكن الحي كله لم يكن بأمان بعد، فقد كان الانهيار مستمرًا في كل زاوية، والنيران تلتهم المنازل. أصوات الأطفال لا تهدأ، النساء يبكين على فقدان أطفالهن، وكبار السن يحاولون النجاة بأعجوبة.
رأيت زميلًا آخر يحاول إخراج عائلة محاصرة تحت الأنقاض. ركضت لمساعدته، كل خطوة مليئة بالخطر، كل لحظة تحمل احتمال النهاية.
شاهدت طفلًا آخر يبكي بين الحطام، لا أحد يستطيع الاقتراب منه بسبب النار والدخان. ركضت نحوه، وأمسكت بيديه الصغيرة، وعيناه الممتلئتان بالدموع اختلطت بخوفي الخاص، لكن شعور الحماية كان أقوى.
رائحة الغبار والدخان لم تفارق أنفي، والحرارة تشعل جسدي، وقلبي ينبض بعنف مع كل انفجار. شعرت وكأن كل خطوة أخطوها هي امتحان حقيقي لكل حياتي السابقة، لكل الألم الذي تحملته، لكل الخيانات التي مررت بها.
رأيت امرأة تمسك بطفلها، تحاول الهروب من الانهيار، وصرخت في وجهي:
– ساعدنا!
لم يكن لدي خيار سوى أن أندفع في وسط الركام، وأحاول سحبها نحو الأمان، بينما أصوات الانفجارات تتعالى من كل اتجاه.
في كل زاوية من الحي، الألم نفسه، الخوف نفسه، العيون الممتلئة بالدموع نفسها. شعرت بعبء الإنسانية بأكمله على كتفي، لكن شيئًا داخلي لم يسمح لي بالاستسلام.
وصلنا إلى الفجوة الأخيرة، وكان الطفل الذي أنقذته في البداية ينظر إلينا بعينين ممتلئتين بالفضول والخوف معًا. كانت الأم تتشبث به، تشكرنا بصوت مكسور لكنه صادق.
وفي تلك اللحظة، أدركت شيئًا مهمًا:
حتى وسط الخراب والحرب، الأمل لا يموت. الشجاعة الحقيقية هي مواجهة الخوف لإنقاذ الآخرين، وإنقاذ نفسك.
تقدمت خطوة إلى الأمام، وأنفاسي تتلاحق، وقلبي يردد بصوت خافت:
– سأستمر مهما حدث، لن أسمح للخوف أن يسيطر عليّ.
رغم كل الانفجارات، الدماء، والركام حولنا، شعرت بقوة الحياة، وبأن الإنسانية لا تزال موجودة بيننا، حتى لو اختبأت خلف الدخان والدموع.
ملاحظة:
Aymen Yh, [05/10/2025 13:54]
هاذا جزء صغير جدا من معاناة أهلنا في غزة ضد آلة الحرب الإسرائيلية، وما زالت قصص الألم والخراب والبطولة مستمرة في كل زاوية من الزوايا، لا يستطيع وصفها إلا من عاشها.
ايمن يحياوي.
التعليقات