رواية وعد في مكة الفصل الثالث: دعوة من السماء

الفصل الثالث: دعوة من السماء

في إحدى الأمسيات، وبينما كان محمد مع أصدقائه في المسجد الحرام قبيل صلاة المغرب، لم يجد مكانًا ليصلي من كثرة الزحام، فافترق عنهم قليلًا. وبينما هو يتلفت حائرًا، لمح رجلًا يبدو من أبناء البلد يدعو أحد الحجاج للجلوس إلى جانبه. التقت نظرات محمد بذلك الرجل، الذي لم يتردد في مناداته هو الآخر، ووسّع له المكان. تردد محمد خجلًا من الزحام، لكن الرجل أصرّ، فما كان منه إلا أن تقدّم وجلس.

كان الرجل بشوشًا، طيب المعشر، سأل الحاج الأول عن موطنه، ومحمد ينظر إليه بإعجاب. ثم التفت إليه الرجل مبتسمًا، وسأله عن بلده. أجاب محمد، وسرعان ما تعارفا قبل أن تقطع إقامة الصلاة حديثهما.

بعد الصلاة، دار بينهما حديث طويل. استغرب محمد لكونها أول مرة في هذه الرحلة لا تقام فيها صلاة جنازة، وهو أمر لم يعتده في الحرم. كان ذلك مدخلًا لبداية حوار طويل.

دعا الأصدقاء محمد للخروج، لكنه أشار إليهم بأنه سيلقاهم بعد العشاء. واصل الحديث مع الرجل، الذي عرّف نفسه بـ"عبد الرحمان"، من سكان العاصمة، وليس من مكة، ما زاد من تعجب محمد. وعندما سمع الاسم، شعر بقشعريرة غريبة، فعبد الرحمان هو اسم والده، الذي ما زال حيًا لكنه مشتاق إليه بشدة.

بدأ الحديث يأخذ بعدًا أعمق، فسأل عبد الرحمان عن موطنه الام، وأخذ محمد يجيب بفخر عن بلده: تنوعه الثقافي، أكله، تموره، طبيعته، أبطاله وثواره، وشخصياته البارزة في كل المجالات. وسأله هو بدوره عن بلاد الحرمين، وكان عبد الرحمان يتحدث عنها بحب وحنين، وعن الأجواء الروحانية خاصة في رمضان.

قال عبد الرحمان:

– "رمضان هنا شيء آخر... الصيام، التراويح، الحرم… شعور لا يوصف."

رد محمد بنبرة فيها بعض الحصرة:

– "إن شاء الله، لكن تعرف أن الرحلات في رمضان باهظة، والمجيء من بلدنا ليس ببساطة رحلتكم أنتم من هنا."

شجعه عبد الرحمان كثيرًا، وراح يصف له الروحانيات العظيمة التي لا تُنسى، وكلما أكثر من الوصف، كلما زاد شوق محمد وضيقه من عوائق السفر. ثم، ومن دون سابق إنذار، قال عبد الرحمان:

– "وماذا إذا دعوتك على حسابي؟ لعمرة في رمضان، هل تقبل دعوتي؟"

لم يصدق محمد ما سمع. أجاب بذهول:

– "إن شاء الله، إن شاء الله..."

ثم قطع حديثهما أذان العشاء، وأقيمة الصلاة.

بعد الصلاة، دار بينهما حديث في أمور شتى دون العودة إلى موضوع الدعوة. وبعد وقت قصير، تلقى كل واحد منهما اتصالًا يعلن عن نهاية لقائهما، فنظر أحدهما إلى الآخر نظرة وداع صادقة. قال عبد الرحمان:

– "أؤكد لك الدعوة… هي صادرة من القلب، وفي أقدس مكان في العالم، وفي أجمل وقت، بين مغرب وعشاء، فهي بإذن الله صادقة."

ارتبك محمد من وقع المفاجأة، خصوصًا حين وسّع عبد الرحمان الدعوة لتشمل والدته، وزوجته، وشخصًا رابعًا من اختياره. ولم يلبث أن يصدّق ما يحدث، حتى قاطعهما اتصال آخر. تبادلا أرقام الهواتف، وتعانقا من القلب، في وداع وُلد بين مغرب وعشاء في أقدس بقاع الأرض.

التقى محمد بأصحابه، وكان في مشاعر لا يملك لها تفسيرًا. وبينه وبين نفسه، ظل مترددًا: هل يخبرهم بما جرى؟ أم يحتفظ بالسر في قلبه؟ لكنه ما لبث أن حكى لهم هذه الأعجوبة، فتعجبوا، وضحك الحاج عمر قائلًا:

– "ما شاء الله… ما أخذت وقت! من المغرب للعشاء وسحرت الرجل!"

ورد عثمان مازحًا:

– "شكلها عمرة من القلب، وربك يسخر له العباد!"

ضحك الجميع، وكان في قلب محمد يقين جديد: أن هذه الرحلة ليست كباقي الرحلات… وأن الله إن أراد أن يمنّ عليك، يفتح لك بابًا من حيث لا تدري...

الفصل الرابع: ما بعد اللقاء

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش