هدوء الليل يسبح في دجايا،فتقتات أنفاسي من أنايا!

فنفسي تكبلها السجايا بفرط من تيه يناشد هوايا في منايا..

أما آنى لتلك الذكريات أن تصغي إلى درب قُطع مني منذ صبايا..

أقف مشدوها أمام مرآة تعكس روحي دون أن أراها،أشعر بها والخذلان هالة متوهجة طوقتها ،كحمامة تناجي السلام فلا يصيبها دفئه ابدا..

صوت أوركيسترا الحشرات في الخارج،يترأسها مايسترو من الصراصير،فيقود لحنا يطرب بني جنسه،ويزعج النيام،غير أني أتذوق موسيقى فرقته،فأراها تنظم بايقاعها الزميع على أوتار المطر الهادىء،أفكاري كلما تقلبت فيما بينها،استوقفتها تلك الألحان،لنتنشل شرودي مني من التيه ،إلى واقع يزيدني تيها..

كيف لا ،وفي تلك الحشرة تجلي حي لقدرة الخالق،وكأن ذاك المخلوق يخبرنا بأن صوتها ليس بعزف فقط إنما هو مناجاة للإله..

أما رائحة الثرى الندية،فإنها تنعش ذاكرتي،فتترجل بالقاء أحزان تتلوها أشجان ،تلبسني عنوة ،معطف من طيف الكآبة الحانق..

فأراني مجردا من الشعور ،لحظة توقفي عن الاحساس،وأنا أودع جثمان خطيبتي بغير شفقة،ربما كان عزائي الوحيد لاحياء المشاعر داخلي عندها أن أتناول زجاجة من الخمر المخثر بالعنب الأحمر،حتى أفقد وعيي لبضع ساعات..

ولكن يشاء القدر،أن تقع تلك الزجاجة من يدي أثناء محاولتي لسكب الكأس الثانية على التوالي.

لم أنسى مطلقا تلك الهيستيريا التي أصابتني لحظتها من الضحك،ربما نظرات الاشمئزاز من نفسي ما جعلني أبدو كمهرج أمامها ..

لقد كان منظرا بشعا حقا،فكيف لذاك الحب العظيم،أن يبتر من قلبي،وكأنه أتى من المجهول إلى العدم..

فلم يك شيئا مذكورا ،ولكن ما بيدي حيلة حتى أحاول الشعور،عن ما أعجز عنه!

فلم ينتابني ضيق على رحيلها مطلقا،بت كآلة ،خلت منها المشاعر تماما..

ولكن لما يحرك عقلي منظاره إلى تلك الذكريات الغريبة؟

مالذي يحدث داخلي؟ ولما أشعر بأني مسجون وسط تلك الفوضى التي اعتقدت أني تجاوزتها منذ سنوات خلت ..

فلم تحركني أفكاري كطحن الرحى لدقيق؟

حتى أنفي الذي اغتالت بصيلاته احتلالات الرشح! لم يستنشق قط رائحة الجثث من قبل؟

فلما تعطر الآن بريح جثمانها؟ مع أنه لم يلتقط قط رائحة منها أثناء الجنازة ..

ولما يخالجني شعور بالضيق؟ رغم أنها لم تعني لي شيء منذ خيانتها لي ؟

لقد انتصلتها من قلبي ، كورم سرطاني قاتل، منذ تلك الحادثة المقرفة؟

هجرتني بسبب مشاجرة صغيرة،لتوقع بأعز رفيق عندي في شباكها في الليلة التالية..

وذاك الوغد،كان نحيبه كأجراس الكنيسة العتيقة ،يسمع عن بعد عشرات الأمتار..

هل كان حبه صادقا لها؟

مالي و مال دمع الوحوش اذ حشرت؟ بين موت وحياة!

لن أحتمل أكثر من ذلك ، ربما بعض من النوم،سيلطم بي من ذكرياتها إلى أرض الواقع ..

كم تمنيت تلك الرحلة منذ ودعتها؟

أن أعود حرا ،وأن أهرب من أشباح ذكرياتها إلى الأبد..

#محمد_الهادي_بن_الصادق

#مقتطفات_من_نزيف_قلمي

#أديب_الألم