الرجل الذي شعر بمعنى الدفء الأول
بدأ المخلوق الصغير، ذلك الكائن الذي لم يكن سوى لحظةٍ معلقة بين الحياة والعدم، في البحث الغريزي عن شيء لا يعرفه، لكنه يشعر به. كان جسده يرتجف من برودة العالم، وصراخه يشق صمت الغرفة الضيقة، وكأنه يحتج على هذا الوجود الذي فُرض عليه.
تحرك فمه الصغير في الهواء، بلا وعي، باحثًا عن دفء لم يعرفه بعد، عن الطمأنينة الوحيدة التي يمكن أن تهدئ جسده المتشنج. وبينما كان يتخبط في ضعفه، قربته الأم إلى صدرها، بحركة اعتادت عليها غريزيًا، وكأن جسدها يعرف ما يحتاجه قبل أن تعرف هي.
التقطت شفتاه الصغيرة الجلد الدافئ، تذوق أول معنى للحياة، فشهق جسده المبلل، ثم سكن. للحظة، هدأت رجفته، توقف صراخه، وانشغل بمصٍّ خافتٍ، كأنما وجد أخيرًا مرساته وسط هذا البحر المجهول.
رفعت الأم رأسها قليلًا، راقبت المخلوق الصغير الذي كان قبل لحظات يملأ الدنيا صراخًا، والآن، غرق في أول تجربة للراحة. ابتسمت، ثم ضحكت، ضحكة صغيرة متعبة، لكنها صادقة. ربما كانت هذه أول لحظة تشعر فيها بأن كل الألم الذي مر بها كان يستحق.
انفرجت شفتاها أكثر، اقتربت، وطبع فمها قبلة خفيفة على رأسه، لم تكن مجرد قبلة، كانت ختمًا خفيًا من الحب، وعدًا غير منطوق بأنها ستكون هنا، مهما كان العالم قاسيًا، مهما كان وجوده غير مفهوم.