"لم تعد الأربع وعشرون ساعة تكفيني" ، هذه الكلمات التي استوقفتني لوهلتها، كيف لا تكفي اربع وعشرون ساعة لإنسان ليشرب وياكل وينام ويستيقظ للذهاب للعمل، بدأت سارة بحديثها معي من بداية قصتها..
سارة في ربيعها الخامس والعشرين، شابة في أوج نجاحها الذي بدأته من الصفر حتماً، كانت قد أكمل بحديثها " أه بطلت تكفيني شوية هالساعات باليوم، ولو بقدر لشتريت ساعات زيادة"، فأكملت حديثها بإخباري عن بداياتها وكم كانت فقيدة الأمل "زمان في بداياتي كنت أظل نايمة وأعد الساعات ايمتا بدها تمرق ويخلص اليوم، ما كان عندي هدف، حتى دراسة ما أقلق فيها وأحياناً المدرسة ما أروح عليها".
أكملت إخباري بأفعالها الشيطانية داخل المدرسة وكم كرهتها بسبب كثرة طردها منها وعدم تكوينها لأية صداقة تذكر "مكنش عندي صاحبات، حتى معلماتي كانوا دايماً يتجنبوا يسألوني إشي الو علاقة بالمادة عشان ما يسمعو صوتي ومناقراتي".
وبدأت تحدثني عن وضعها الحالي وكأن الحياة والأرض انقلبوا إلى صالحها مئة وثمانين درجة "هلا أنا كل اشي عندي من سيارة لبيت لشغل وبزنس خاص، وحتى صحاب الي هما بالأساس مصاحبيني مصلحة بس حتى لو مصلحة كمان صار عندي صحاب" ، كان هناك شيئاً بداخلي يدفعني لسؤالها عن سبب نجاحها إلا أنها قاطعته لتبدأ بروايتها بشكلٍ معتدل.
"لما كنت أقوم من النوم أحضر فطور لأهلي وإخواني وينزلو بعدها على مدارسهم، كنت أنا الكبيرة وأهلي تاركيني على راحتي يعني شو ما بدي بعمل، مع إنو غلط الي عملوه أهلي بس المهم أنا كنت مبسوطة"، حيث توجهت سارة إلى المطبخ بعد ذهاب الجميع، كان الجميع يتلذذ بمذاق أطعمتها، وهنا كان سرها "كنت أبلش أفتح يوتيوب أو جوجل وأقرأ بوصفات هالأكل وأطبقها بطريقتي الخاصة، ولأنو عندي ذوق كتير كبير بترتيب الأكل والصحون والطاولة كانو أهلي ينبسطو من أكلي قبل ما ياكلوا".
حتى جاء ذلك اليوم الذي غير حياة سارة حقيقةً، فكلمة واحدة من فتاة مستهزئة من موقع الانستغرام على ما تنشره سارة من أكل وحلويات كانت كفيلة بأن تعي سارة على حقيقة واقعها، وأنها تمتلك من الموهبة ما لا تمتلكه الأخريات "كنت بنزل ستوري يومياً على صفحتي الشخصية من باب التسلاية ولحتى أقهر بنات صفي إنو هما بدرسو وأنا قاعدة بالبيت مرتاح وبس باكل، أما هديك البنت أنا بشكرها، جد بشكرها، لآنو لولاها أنا ما فتحت عيوني على فكرة البزنس الخاص فيني"
اتجهت إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتكون هي مخرجي من هذا كله "بلشت بصفحة على الانستغرام وما كان معي ولا شيكل بس كان عندي 50 متابع وكلهم من عيلتي او ناس ضافوني بالغلط"، مشروع عمل يبدأ من الصفر حتماً، من صفر النقود إلى صفر المتابعين.
وأكلمت قصتها قائلة:"صرت أصور كل اشي بطبخوا لأهلي حتى فطور الصبح أصورو وأنشرو، بيوم من الأيام اجتني طلبية كبيرة من شركة كبيرة عنا بالمدينة ما عرفت لي اختاروني وقتها انو أعملهم مئة بيتزا ومئة وخمسين معجنة بجبنة ومئتين قطعة تشيز كيك، أنا هون انصدمت لدرجة كنت رح أرفض الطلبية، كيف؟ كيف رح ألحق بيومين بس ؟ ما كنت بعرف بس صممت وحكيت مع حالي سارة قومي بلشي اعملي فيهم، وفعلا قمت وكانت الساعة تسعة بالليل مش بكير الوقت، وظليت سهرانة طول الليل بس على التشيز كيك، والصبح ما نمت ضليت صاحية لعملت المعجنات الي أخدو معي 14 ساعة متواصلين، ما بعرف من وين جبت قوتي وقتها بس لأني قررت أتحدى حالي".
تغلب النعاس المُلِحِ عليها حتى نام وهي تضع الجبنة داخل أقراص العجين، لم تكفيها تلك الساعات حقاً لتكمل ما بدأت به، فالنعاس شديد الإلحاح في الوقت الضائع "نمت ما بعرف كيف نمت بس ما طولت كتير لاني صحيت على امي وهي بتصحيني ، صحيت وبلشت أعمل بالبيتزا بس وقت البيتزا كان مضاعف أكتر، تخيلي عشرين ساعة وأنا واقفة بالمطبخ بعمل بيتزا!"
دين من الأب ودين من البقالة كان كافٍ لتكمل سارة أول طلبية لها "وخلصت هالطلبية قبل تسليمها بنص ساعة بس، حملتها بسيارة أبوي ورحنا سلمناها ، أنا هون ما كان خاطر ببالي انو احط اسمي على الاكل او حتى كرت خاص فيي، بس صاحب الشركة قد ما عجبو أكلي وضيوفو كتير مدحني، نشر حسابي عندو على حسابه الخاص، وضافني ما يقارب عشر آلاف متابع، مشهور بحكيلك مشهور، وبلشت الطلبيات تيجي وبطلت استوعب عددها بمطبخ البيت، وهون بلشت أفكر باستئجار مطبخ خاص برا البيت، وفعلا ضليت دليفري واون لاين لحتى جمعت حق مطعم وفتحت أول مطعم الي".
مثل أي حكاية نجاح بداية صعبة ونهاية سعيدة لكن ماذا يوجد في المنتصف لا أحد يعلم سوى صاحب تلك الحكاية "تعبت، تعبت كتير قبل ما افتح هالمطعم، كانو الأربع وعشرين ساعة وما يكفوني أنام حتى وما كنت بدي رفض ولا طلبية عشان ما أضيع فرصي، وطيعاً المطعم نجح نجاح كبير وهالنجاح جر معو مطعم تاني وتالت وحاليا منجهز للرابع".
تلك لم تكن حكاية نجاح فقط، هي حكاية تحدي وإصرار، حكاية التخطي لكل تلك الظروف وعدم اتخاذها عذراً للوقوف على أطلالها، لم تسرد سارة النجاح فقط، لقد سردت الكثير من ثقة الذات ودعم الأهل "والآن الأربع وعشرون ساعة أصبحت تكفي لأنام".
التعليقات
مواقع التواصل الإجتماعي هي سلاح ذو حدين، هناك من استفاد منها وجعلها مصدر رزق له ومصدر نفع وفائدة لغيره، وهناك من لم يعد يكفيه 24 ساعة ولكن ليُضيع وقته في اللاشيء بلاهدف !
رغم اعتراضي على فكرة تصوير الطعام، ولكن من خلال تلك القصة تغير منظوري ولو قليلًا، كم من الأمور التي ننتقدها وننتقد أصحابها وتكون هي طوق النجاة الذي أنقذهم في لحظات يأس لا يعرف عنها أحد .
أسلوبك في السرد جميل وممتع، لم أشعر بالملل بل كان السرد سلس بطريقة جعلتني أُنهي القصة دون معاناة أو توقف، في انتظار المزيد من كتاباتك .