التلوث الرقمي: كيف ننظف أجهزتنا بطريقة آمنة؟

كل مرة أضغط فيها على زر الحذف، أفكر إلى أين تذهب تلك البيانات؟ في زمن وهم "الحذف الأبدي" أصحبنا نهدر المعلومات بتبجح ولا مسؤولية ظنا منا أن قرارنا بحذف معلومة ما يكفي لاختفائها من على الكوكب، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا؛ كل ملف محذوف، وكل صورة مكررة، وكل بريد إلكتروني غير مقروء، أو فيديو أو مستند قررنا إرساله إلى سلة المهملات يترك بصمة كربونية هائلة، لقد أرسلناه إلى الحديقة الخلفية للبيت بينما نعتقد أننا تخلصنا منه، نحن نخلق مزبلة هائلة في بيتنا( الأرض).

هذه البيانات التي نعتبرها "ميتة" أو محذوفة؛ تتطلب طاقات وموارد طبيعية هائلة لإنشائها وتخزينها، وحتى بعد حذفها، تبقى محفوظة في أماكن منسية من الهاردات الهائلة و مراكز البيانات العملاقة التي تعمل 24/7سا ، تستهلك كهرباء ومواد طاقوية مهمة؛ تعادل استهلاك دول صغيرة ؛ في نفس الوقت تولد حرارة قياسية تحتاج إلى أنظمة تبريد معقدة، وانبعاثات وتلوث يعود على الكوكب بالدمار واستنزاف الموارد

ولكن السؤال الأهم: هل نحن واعون لهذه المشكلة و مستعدون لتحمل تكلفة هذا الإهدار؟ إذا كانت كل نقرة على لوحة المفاتيح تُكلف الكوكب طاقات كبيرة منها ما لا يتجدد أبدا، فيجب أن نعيد التفكير في كيفية إنتاجنا واستهلاكنا للبيانات، لكن كيف نبدأ في تنظيف أجهزتنا الرقمية بطرق آمنة ومساعدة للبيئة؟؟؛ ليس فقط من أجل النظام الشخصي، بل من أجل مستقبل الكوكب أيضًا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لم أفكر في هذا الأمر من قبل، وفي الحقيقة يبدو لي أن الفكرة مبالغ فيها بعض الشيء، فأنا أعتقد أن الاهتمام الزائد بكيفية تأثير البيانات المحذوفة على البيئة ليس بالأمر الذي يستحق القلق الشديد، وفي النهاية هذه الملفات المحذوفة لا تشكل تهديدًا حقيقيًا للبيئة، فلا أظن أن الضغط على زر الحذف هو ما سيقود إلى كارثة بيئية، كما يبدو أن هناك الكثير من القضايا المهمة التي تحتاج إلى اهتمامنا أكثر من مجرد التفكير في "بصمة" البيانات المفقودة، وقد يكون من المفيد أن نكون أكثر وعيًا بالطريقة التي نستخدم بها التكنولوجيا، لكن لا أعتقد أن الموضوع يحتاج إلى مبالغات أو تغييرات جذرية في حياتنا اليومية.

طبعا لن يكون مشكلة إذا نظرنا إليه على مستوى ضيق، لكن إذا نظرت إليه على مستوى ماكروسكوبي كبير سوف تلاحظين الكثير، نحن لا نتحدث عن مهملات وطاقات مهدورة لشخص واحد أو دولة، نحن نتحدث عن طاقات يهدرها 6 مليار إنسان إذا اعتبرنا أن 6 من أصل 8 مليار يمتلكون هذه القدرة على الوصول للبيانات وصناعتها، كل هذا لا يلاحظ في استعامالاتنا الشخصية ، لكن يمكن قياسه في مراكز التخزين على مستوى شركات المعلومات االكبرى مثل شركة ميتا أو غوغل وغيرها، ذا افترضنا أن مراكز البيانات العالمية مثل هذه تستعمل حوالي 200 تيراواط/ساعة سنويًا ، فإن الطاقة المستخدمة للتبريد قد تتراوح بين 60-80 تيراواط/ساعة ، التبريد يحمي الهاردات من التلف ، تلك الهاردات التي تحتوى على عدد هائل من الملفات الميتة التي تم حذفها أصلا، تبقى نسخ احتياطية لذيهم دون ان يستخدمها المسخدم العادي، ويتم بيعها للشركات كمعلومات خام بعد ذلك .

شكرا خلود كلامك عميق ومؤلم في آن واحد، وقد فتحتي أعيننا على زاوية منسية من الواقع الرقمي.

نحن نظن أن العالم الرقمي "خفيف"، بلا وزن ولا أثر، لكن الحقيقة أنه يثقل كاهل الأرض بصمت.

كل "حذف" هو في الحقيقة تحويل للمعلومة إلى الظل، لا إلى العدم، ومع كل ملف نرميه، نكدّس عبئا جديدا على البنية التحتية للكوكب.

السؤال ليس فقط "ماذا نحذف؟" بل: لماذا ننتج هذا الكم من البيانات أصلا؟

ربما البداية الحقيقية لا تكون في التنظيف فقط، بل في الوعي قبل الإنتاج، والتأني قبل النشر، والاحترام لكل بايت يستهلك.

البيئة الرقمية تحتاج تقشفا، كما يحتاج الكوكب إلى تنفس.

ربما أصبح "التقليل" أسمى أشكال المسؤولية.

نحن نظن أن العالم الرقمي "خفيف"، بلا وزن ولا أثر، لكن الحقيقة أنه يثقل كاهل الأرض بصمت.

بالضبط، توصيف دقيق ، سلمت .

السؤال ليس فقط "ماذا نحذف؟" بل: لماذا ننتج هذا الكم من البيانات أصلا؟

سؤال جميل، لذي الفضول لمعرفة إجابته من وجهة نظرك يا عبدج الرحمن، لماذا في الوقت الذي أصبح العالم المقف في أغبله يدعي المينيماليزم في بيته ، لماذا يتجه نحو التفجير الكمومي في البيانات ؟

كل ملف محذوف، وكل صورة مكررة، وكل بريد إلكتروني غير مقروء، أو فيديو أو مستند قررنا إرساله إلى سلة المهملات يترك بصمة كربونية هائلة
ل نحن واعون لهذه المشكلة و مستعدون لتحمل تكلفة هذا الإهدار؟

أنتِ تعلمين يا صديقتي أن المخ يرغب في استهلاك الوعي فيما يفيد فقط، بمعنى التركيز على حل مشكلة حالية أو إنجاز مهمات سريعة متتالية وغيرها، وفكرة التخلص من الملفات التي لا قيمة لها هي نفسها مطلوبة للتركيز على ما يهم وتجنب التشتت، فمثلًا التركيز على أي إيميل غير مقروء بما سيفيد؟ المئات منها ترسل يوميًا للجميع، وربما لا نجد وقتًا كافيًا للتركيز على إلغاء الاشتراكات فيما لا يفيد، وحتى لو نظرنا لإيميلات الشركات التي نعمل بها، فبعضها تلقائي ولا قيمة له، لذلك أرى أن التركيز الفعلي على مآل الملفات المحذوفة (وكما ذكرتي هناك مراكز بيانات مخصصة للتعامل معها) لن يفيدنا في شيء، ولا سيما لو أننا لا نعمل في مجالات تخص البيانات في عمومها. ولكن يلفتني رغبتك في نقاش الموضوع، هل له أهمية قصوى في نظرك؟

ولكن يلفتني رغبتك في نقاش الموضوع، هل له أهمية قصوى في نظرك؟

طبعا له كل الأهمية، ليس فقط في نظري ، بل هي مشكلة فلسفية وأخلاقية وبيئية مطروحة وقادمة بقوة .

كما سبق واسلفت من ناحية اتاثر البيئي بالمشكلة، ومن نواحي أخلاقية أخرى أيضا، مثل هدر الطاقة، مشكلة القيمة والمعنى، مشكلة الهوية ، مشكلة الأمن العالمي والخصوصية الفردية وغيرها من المشاكل التي لا تنتهي حول هذه المشكلة ، هل يمكن أن أعرف لماذا لا ترينها مشكلة حقيقة بالنسبة لك ؟.

سؤال مهم جداً، كيف نحذف بشكل صديق للبيئة ؟ التنظيف الدورى للأجهزة والسحابة بأن نحذف الملفات غير الضرورية نهائياً وليس فقط إرسالها إلى سلة المهملات، أيضاً مراجعة البريد الإلكترونى وحذف الرسائل غير المهمة ، والتقليل من التخزين السحابى غير الضرورى فخدمات التخزين السحابى مثل Google Drive وDropbox ليست مساحة مجانية بل تعتمد على مراكز بيانات ضخمة، لذا احذف الملفات التى لا تحتاجها. واستخدام البحث بذكاء فكل عملية بحث على Google تستهلك طاقة، يقدر أن 100 عملية بحث تعادل تشغيل لمبة 60 واط لساعتين (Google Sustainability Report). لذا استخدم البحث بذكاء ولا تكرر الاستعلامات دون داع ، والاعتماد على أجهزة موفرة للطاقة، كما أن إطفاء الأجهزة بدلاً من تركها في وضع الاستعداد يساعد في تقليل الاستهلاك غير الضرورى.

مداخلة قيمة يا أمل، نشكر لك هذا .

لكن دعينا نأخد الموضوع إلى بعد آخر جديد ربما، وهي منطقتي المفضلة للصراحة، ونسأل سؤال محرج ومستفز قليلا، مالذي أخسره أنا وأنت مثلا أثناء حدف بيانات كانت يوما ما أعز ما نملك: ملف لنسخة من رسالة تخرجك، أو نسخة صورة شخصية لك، فيديو تجريبي لأول تجربة محتوى أو تسجيل صورتي لك ...الخ ، ألا نفقد مع كل هذه المحذوفات جزء من أنفسنا القديمة، جزء من هويتنا وتاريخنا الشخصي الذي كان في يوم من الأيام مبهرا وخاصاً جدا ؟

بتتبسيط أكثر، ألا تجعلنا ممارسة الحذف بذون وعي أو مسؤولية وبشكل مبالغ فيه، ألا تجعلنا نفقد جوانب من ذاتنا وتحولنا أيضا إلى كائنات مادية تفتقد الى الحس السليم لقيمة المواد التي تملكها، لأنها تعلم أن بأمكانها صناعة غيرها في ثوان، لكن مع كل صورة جديدة أو ملف جديد نحن لسنا نفس الشخص في الحقيقة.

لا أدرى اذا وصلتك الفكرة يا أمل ، لكني أجدها فكرة مقلقة الحقيقة، على الأقل على صعيد شخصي .

صحيح، وهذا يعكس إدراكنا لقيمة الذكريات ، فنحن لا نحذف كل شيء، بل نختار ما يستحق البقاء وننقله إلى مساحات آمنة، التخزين الخارجي يمنحنا شعورًا بالتحكم، وكأنه صندوق ذكريات رقمي نحتفظ فيه بما له بعد عاطفي أو أهمية خاصة ، الحذف الواعي ليس نسيانًا بل هو إعادة ترتيب لما يستحق البقاء فعلًا. فالتراكم المفرط قد يحول الذكريات إلى عبء رقمى ونفسى، كما يحدث مع المنازل الممتلئة بأغراض لم نعد نستخدمها.

 الحذف الواعي ليس نسيانًا بل هو إعادة ترتيب لما يستحق البقاء فعلًا.

احيانا هذا لا يكون يا أمل .

محدودية الأجهزة أو بتعبير أخر محاولة تحويل الشركات لنا إلى مستهلكين أغبياء وسريعين، تجعلنا أحيانا ضحايا لأمور لا نريدها، كم مرة أضطررتِ لحذف صور أو فيديوهات من هاتفك الخاص رغم تعلقك بها بشكل كبير، لكن الهاتف أعطاك أمر بإخلاء المساحة حتى تتمكني من أخذ لقطة أو تحميل ملف مهم جديد؟ كم مرة كنت بالخارج أو في مكان لا يسمح لك بنقل ملفاتك أو صورك المهمة الى تخزين خارجي أو سحابي وكنت مظطرة إلى عمل سكان سريع لصورة في العمل أو إدارة ما لكن هاتفك يرفض الاستجابة قبل حذف ملفات قديمة ؟

تجدسن أنك مرغمة على حذف جزء من ذاتك مع تلك الصور أو الملفات أليس كذلك؟

أتفق معك، كأنه إجبار غير مباشر على التخلى عن ذكرياتنا لمجرد إفساح المجال للجديد. الشركات تدفعنا نحو نمط استهلاك سريع حيث تكون الأولوية للتحديثات المستمرة على حساب ما نحمله من محتوى شخصى. لكن ماذا لو كان الحل في التحايل على هذه الدوامة؟ مثلًا استخدام external hard أو فلاشة يمكن أن يكون وسيلة لمقاومة هذا الاستنزاف التقنى. فالحفاظ على الذكريات لا يجب أن يكون رفاهية بل حق في عصر السرعة الرقمية. أما عن تجربتى مع حذف الملفات والصور، فأنا اقوم دائماً تنظيم ملفاتي بشكل دوري، وأقوم بحذف أي بيانات لم أعد بحاجة إليها. كما أعتمد على تخزين خارجي (External Hard Drive) للحفاظ على الملفات التي أرغب في الاحتفاظ بها، بالإضافة إلى إنشاء نسخ احتياطية (Backup) بشكل منتظم لضمان عدم فقدان أي بيانات مهمة