رواد المكان، لماذا نرتاح لوجودهم؟ كتاب: "The Great Good Place"

  • Rafik_bn

في أي مكان نذهب إليه بشكل متكرر، قد نجد عددا من الوجوه يتكرر في كل مرة، ليسوا بمالكي المكان أو أصحابه، إنما "رواد دائمون" للمقهى، للمسجد، للحديقة..حتى للأسواق الشعبية. قد نكون نحن منهم في مكان ما أو اكثر.

في كتاب "The Great Good Place" يرى أولدينبرغ أن هؤلاء الرواد يمنحون للمكان هالة مستقرة، نبضا يوميا.. ونغمة خاصة. يرتبط المكان بوجودهم بشكل غريب كما ترتبط وجووههم بذلك المكان، فنشعر مثلا أن ذاك المقهى فارغ أو حتى نقول في أنفسنا (المكان هنا تغير) اذا اختفت تلك الوجوه التي تعودنا عليها مع ان المكان نفسه ولم يتغير لا الاثاث ولا التصميم ولا المكان وقد لا يكون فارغا بل عامرا بوجوه جديدة..

رأي الكاتب أننا نتعلق بهذه الوجوه بشكل لاشعوري وإن كنا لا نعرفهم شخصيا أو نتحدث معهم لكنهم يشعروننا بنوع من الألفة..وأن غيابهم قد يهز هذا الشعور فيجعلنا نحن الاخرين قد نترك المكان! أليس غريبا أن يتعلق شعورنا ورغبتنا في التواجد في مكان ما من عدمها بأشخاص لا نعرفهم اصلا لكننا تعودنا على وجودهم بنفس المكان؟ المثير أن هناك وجهة نظر أخرى ترى ان "الرواد الدائمين" قد يشكلون حلقة مغلقة تمنع أو تجعل من الصعب لأشخاص جدد الانضمام لنفس المكان، ويشعر ان جميع الانظار متجهة نحوه كأنه "دخيل غريب" مما يمنحه شعورا بعدم الارتياح..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ده حقيقي جدًا!! أتذكر ترددي على بعض الأماكن لأغراض مختلفة، منها ما كان بصفة دائمة، ومنها لبضع سنوات فقط، ولكن حاليًا حينما أتوجه لأي مكان منهم أشعر "بالغربة" حرفيًا، كأنني لا أنتمي لهذا المكان بسبب غياب الوشوش المألوفة، أصدقاء، أو معارف، أو حتى أناس لم تكن علاقتي بهم وثيقة ولكن جمعتنا الألفة التي تتحدث عنها (familiarity of faces). بعض الأماكن انقطعت عن الذهاب إليها بحكم الانشغالات وغيرها، وبعضها أذهب إليها على فترات متباعدة، ولكن يظل لديَّ شعور بالغربة فعلًا.

هذا يحدث فعلا لكن بصراحة أحيانا أشعر أننا نُحمّل المكان مشاعر لا تخصه.. يعني هل الغربة نابعة من غياب الوجوه فعلا أم من تغيرنا نحن؟ من شعورنا بأننا لم نعد كما كنّا؟

ربما يعود السبب أيضًا لأننا كبرنا، نضجنا، تغيرت طريقتنا في التفاعل، فصرنا نرى نفس الأماكن من زاوية مختلفة..

أتفق مع الرأي الأول لأننا كبشر نميل إلى الأُلفة بشكل طبيعي حتى لو لم يكن هناك تواصل مباشر وجود وجوه مألوفة في أماكن نرتادها باستمرار يمنحنا شعورًا بالثبات والراحة كأنهم جزء من روتيننا اليومي مجرد رؤيتهم يمنحنا إحساسًا بأن كل شيء على ما يرام حتى إن لم نعرفهم شخصيًّا أحيانًا ندخل مكانًا ونشعر فجأة أنه مختلف أو ينقصه شيء وعندما نفكر قليلًا نكتشف أن السبب هو غياب شخص اعتدنا رؤيته فيه ليس لأنه يؤدي دورًا كبيرًا ولكن لأن وجوده ارتبط في ذاكرتنا بالمكان ذاته وهذا الشعور لا يمكن أن يتكون بسهولة مع وجوه جديدة وجود الزوّار الدائمين لا أراه عائقًا بقدر ما هو عنصر استقرار يخلق جوًا مألوفًا وحميمًا حتى إن كنّا غرباء عن بعضنا البعض الشخص الجديد قد يشعر ببعض التردد في البداية لكن مع الوقت ومع التكرار يمكن أن يصبح هو أيضًا جزءًا من المشهد وتبدأ الوجوه الجديدة بأخذ المكانة نفسها

وجود وجوه مألوفة، حتى لو لم نتبادل معهم كلمة واحدة، يمنحنا شعورًا بالثبات وكأننا جزء من مشهد مألوف، مريح، متوازن

الشخص الجديد قد يشعر ببعض التردد في البداية لكن مع الوقت ومع التكرار يمكن أن يصبح هو أيضًا جزءًا من المشهد وتبدأ الوجوه الجديدة بأخذ المكانة نفسها

في بعض الحالات، قد تتحول الألفة الزائدة إلى ما يشبه "الاحتكار الصامت للمكان"، وتُربك من يحاول الانضمام، خاصة إن لم يُقابل بالترحيب أو التفاعل. لذا يصعب أن يصبح جزءا من المشهد فعلا..

كيف نوازن بين شعورنا الشخصي بالراحة وبين إتاحة مساحة مرحّبة للآخرين الجدد برأيك؟

الكلام في كتاب The Great Good Place يحمل جانبًا من الصحة، لكن يبدو مثاليًا أكثر مما هو واقعي.

القول إن الرواد يمنحون المكان طمأنينة قد يصح في بيئات محددة، لكن في الواقع، وجود الوجوه المتكررة لا يُشعر الجميع بالألفة؛ بل قد يخلق جوًا من التكتل والانغلاق يُقصي الغرباء.

الارتباط اللاشعوري بالوجوه المألوفة ليس دائمًا إيجابيًا، بل أحيانًا يُسهم في تحجيم التنوع الاجتماعي ويخلق ما يشبه النخبة اليومية التي تملك المكان دون وعي.

الراحة التي يمنحها وجودهم مشروطة، وقد تكون وهمًا اجتماعيًا لا أكثر.

ويخلق ما يشبه النخبة اليومية التي تملك المكان دون وعي.

لقد تحدث الكتاب عن هذه النقطة ايضا بالفعل، وسأشاركها في مساهمة اخرى قريبا ان شاء الله، لكن إلى ذاك الحين،

الراحة التي يمنحها وجودهم مشروطة، وقد تكون وهمًا اجتماعيًا لا أكثر

لا أظن انها وهم، هي شعور حقيقي بالالفة والانتماء وربما هذا مفهوم مصغر للقومية في بيئة صغيرة، لكن لابد ان يكون هناك ترحيب بالوجوه الجديدة لكي لا يكون المكان مغلقا على نفسه

يمكن ما نلاحظ، بس إحنا ما نتعلّق بالأماكن بقدر ما نتعلّق بالإيقاع اللي نحسه فيها، بالوجوه اللي تصير مثل معالم صامتة تخلق ألفة غير مفهومة. وجودهم يطمنّا، كأنهم شهود على يومنا العادي. بس الغريب إن هذول نفسهم، لما يصيروا حلقة مغلقة، يتحولون من مصدر ألفة إلى سور يفصل الآخرين، وكأن المكان يرفض الجديد. فالمكان ما يتغير بأثاثه، بل بتغير نبضه البشري، والنبض هذا ممكن يرحّب… أو يطرد."

فالمكان ما يتغير بأثاثه، بل بتغير نبضه البشري، والنبض هذا ممكن يرحّب… أو يطرد.

ماذا لو أن نفس الوجوه (حتى لو كانت لا تعرف بعضها لكن اعتادت على الاجتماع في نفس المكان) اجتمعت في مكان آخر جديد كليا عنها، هل سيشعرون بغرابة المكان ويأخذون وقتا للتعود عليه أم يشعرون بالألفة سريعا من أول زيارة؟

أعتقد إنهم سيتعوّدون بسرعة، أو على الأقل خلال وقت قصير…

لأن الألفة مو دايمًا ترتبط بالمكان نفسه، بقدر ما ترتبط بالشعور اللي يتكرر فيه.

حتى لو ما يعرفون بعض شخصيًا، بس مجرد تعوّدهم على رؤية الوجوه نفسها مرارًا، يخلق نوع من الارتياح الداخلي… كأن اللاوعي يخبرهم: "أنت مو غريب تمامًا هنا."

الأماكن الجديدة ما تكون مخيفة لما تحمل جزءًا من المألوف، حتى لو كان بسيط، مثل وجه شافوه من بعيد عشرات المرات.

يمكن البشر ما يحتاجون يعرفون بعض حتى يخلقون نوعًا من الانتماء، أحيانًا يكفي أن يتنفسوا نفس الجو، ويصادفوا بعض بلحظات عابرة، ليصير الغريب أقل غرابة.

لكن هذا يخليني أتساءل:

ليش نحتاج دومًا نشعر بانتماء لأي مكان أو ناس؟

وهل نقدر نعيش بسلام حتى لو كنا وحيدين تمامًا… بلا ألفة، بلا اعتياد، بس إحنا وداخلنا؟

ليش نحتاج دومًا نشعر بانتماء لأي مكان أو ناس؟

لأن الانسان كائن اجتماعي بطبعه، الانعزال حالة مؤقتة وليس نمط عيش دائم، يحتاج أن ينتمس لجماعة ما.. وطن ما.. مكان ما.. عائلة ما على الاقل..

وهل نقدر نعيش بسلام حتى لو كنا وحيدين تمامًا… بلا ألفة، بلا اعتياد، بس إحنا وداخلنا؟

نعم لكن ليس نمط عيش دائم، بصراحة، حتى المنعزلون هم ينتمون لمكان ما يجلسون فيه ولو وحدهم، للاشياء التي يقومون بها في وحدتهم، يحيطون نفسهم بهالة مستقرة حتى لو كانوا وحدهم لكنهم متعودون عليها وعلى ذاك النمط لذا هتاك انتماء، ألفة، اعتياد..

الإنسان فعلاً كائن اجتماعي بالفطرة، والانتماء هو جزء أساسي من تكوينه النفسي والعاطفي. حتى الانعزال، كما قلت، هو حالة مؤقتة أو اختيار لفترة معينة، بس حتى الانعزال له هالة من الانتماء، سواء لمكان أو لعادات نفسية أو أشياء تعطي استقرار داخلي.

شكراً مره اخرى لردك الفلسفي الواقعي..

تحياتي لك!