التجارب الذاتية، أدب حقيقي أم تكرار لاجدوى منه

أحب قراءة أعمال الكاتبات الشابات، خاصة اللاتي يقاربني في العمر، أشعر أن كل واحد منهن ، قد استطاعت أن تتحدث بلساني أو تعبر عن مكنون ما بداخلى، أو ربما سردت قصة تتشابه كثيرا في تفاصيلها بما مررت به في حياتي من أحداث ، ولو تشابه في ما شعرت به على الأقل عند مرورى بنفس خيبات الألم .

من كاتباتي المفضلات .. ميرنا الهلباوي .... كاتبة مصرية شابة .. أحدث كتابها الأول " مر مثل القهوة . حلو مثل الشيكولاتة " ضجة كبيرة، واستطاع أن يحصد مكانها ضمن الكتب الأكثر مبيعاَ لأكثر من ثلاث سنوات، ولازال ضمن الأكثر مبيعاَ حتى الأن، كان الكتاب بمثابة مقالات شديدة الذاتية تحكي فيها قصتها مع الحب والحياة، يصعب أن يتم تصنيفه تحت مسمى الرواية ، كان عملاَ صادقاَ لذلك أحبه الناس، ورغم أنها أصدرت عمليين لاحقين له، من ضمنهم رواية " كونداليني " التي استطاعت فيها الالتزام إلى حد كبيرة بقواعد الرواية الأدبية مقارنة بالعمل الأول ، إلا أن عودتها في الكتاب الثالث " تنذكر ما تنعاد " جعلني شخصياَ أشعر بالإحباط ، وأن الكاتبة ربما تكون مفلسة في أفكارها الأدبية ، وغير قادرة عن الخروج من أسوار الكتابة عن الذات ، لذلك أظن أن العمل الأول لها سيبقى هو الأكثر نجاحاَ ، وأنها لن تتمكن من البقاء طويلا في ساحة الكتابة الأدبية الخالصة.

حقيقًة جعلتني أعمال ميرنا أفكر جدياَ في المقولة الخاصة بالتجربة الأولى للكاتب والتي ترى أن التجربة الأولى لأي كاتب روائي ... ربما تكون تجربة خادعة، فالجميع لديه قصة تستحق أن تروى ، فهذه هى حكاية الكاتب الأولى .. أما الحكم الحقيقي على جودة عمله الأدبي فالحكم عليها يكون بعد التجربة الأولى .. وهناك العديد من الكتب الذين لم ينجوا سوى عمل واحد . الأمر الذى يدفعنا إلى التساؤل حول التجارب الأدبية المنبثقة من التجارب الذاتية ، وعن يمكن حقاَ تصنيفها أعمال أدبية .. أم أنها تجارب ذاتية مكتوب بأسلوب أدبى!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعود إلى وجهة نظري التي ذكرتها بالأمس على مساهمة هنا يا رانيا. لا يتوقّف الأمر على الحدث، وإنما على منظور الكاتب لهذا الحدث. وعليه، فإن التعامل مع الأمور بكيفية غير واضحة يضعنا في أزمة كبيرة. يحب علينا أن نعتني تمام الاعتناء بالأدب الذي نقدّمه عن أنفسنا، تمامًا كالذي نقدّمه عن الآخرين. وبالتالي نستطيع ان نجد قطعًا أدبيةً خلّابة الجمال على الرغم من أنها لم تمثّل سوى سيرة ذاتية لأصحابها. مثل رواية "العالم" للكاتب خوان خوسيه ميّاس، أو "عشتُ لأروي" لـجابرييل جارسيا ماركيز، وغيرهم. إن الكتابة الذاتية لا تمثّل نقصًا في خيال الكاتب أو تقلّل من قيمة الأدب المقدّم. وإنما تمثّل زاوية أخرى، تمثّل حرفية أن يرينا الكاتب الأشياء بعينيه. وهذا شيء يستطيع أن يكون في غاية الجمال.

أتفق معك فى ضرورة إهتمام الكاتب بجودة عمله ، ولكن ألا يكون من الأفضل أن يكون العمل سيرة ذاتية واضحة ، دون اللجوء للتواري خلف الأدب ، بعجبنى كثيرا مافعله الكاتب ستيفن كينج فى كتابة " on writing " كانت سيرة ذاتية مغلفة بنصائح فى الكتابة ، كان الأمر واضحا بالنسبة لى ، فقراءة السيرة الذاتية تختلف عن قراءة عمل أدبى

يعتبر العمل أدبيا مادام يحقق شروطه بغض النظر عن مصدره, لا يتم الإلتفات للكاتب والنبش في خلفياته, تجربته الذاتية أو تجربة مقتبسة أو متخيلة أو حتى مسروقة تبقى عملا أدبيا, كون الكاتب فاشل في كتابة أعمال أخرى لن يجعل عمله الأول أقل شأنا من الناحية الأدبية لأن العمل صار منفصلا تماما عن كاتبه قائما بذاته.

أنا لا أومن بنظرية " موت المؤلف " التى تدعو إلى الإنفصال التام بين الكاتب وعمله ، فالكاتب هو الصانع للعمل ، وتجربته وحياته جزءا أصيلا بالنسبة لي لفهم العمل والتفاعل معه ، لذلك أنظر دائما للتجربة الأدبية كاملة ، عملاَ مؤلفاَ.

لا يمكننا تقييم العمل بالنبش في حياة الكاتب, ما دخل الكاتب؟ شخص ألف كتابا حول الأخلاق ذو أفكار جد عالية ويمكن الاستفادة منها ومناقشتها, ولكنه في حياته شخص بلا أخلاق هل نرمي كتابه في الزبالة؟

كاتب أدبي ألف كتابا وحصل على نوبل للأدب ولكنه في آخر حياته أصيب بالخرف وصار يؤلف كتبا تافهة فهل نسحب منه الجائزة؟

يجب أن نقيم العمل الأدبي بعيدا عن شخص الكاتب لأنه كتاب قائم بذاته, ماذا لو كان المؤلف مجهول الهوية كيف نقيمه؟

العمل الأدبي نِتاج حياة, وهو أيضا نِتاج والحصيلة النهائية من ارتباط بعض العوامل الاجتماعية, الحياتية, الاقتصادية و التاريخية مع بعضها البعض. الكاتب كإنسان لولا هذه العوامل لما استطاع ان يرى الحياة والواقع على الشكل الذي سيذكره في المنتوج الأدبي. الواقع كمصدر مفتوح يتيح لنا تأويله, رؤيته وترجمته بطرائق جداً متنوعة. لذا فِهم هذه العوامل وخلفية الكاتب تعتبر من البديهيات لقراءة اي محتوى ادبي. لانها تشكل الإطار الذي من المفترض ان يوضع الأدب فيه, وإلا لكان النص الأدبي بدوره, أيضا مصدر مفتوحا للتأويل ولما استطعنا ان نفهم الرسالة من نص معين.

هذا هو القول الرسمي على الأقل. بالنسبة لي, اتفق تماماً, رغم انني وفي كثير من الاحيان, اخرج عن هذه القاعدة, لأنني احب المغامرة, ف أبدأ بقراءة ادب كتاب لا على التعيين بدور البحث والغوص في هذه العوامل. أجد الأمر مدعاة للاستكشاف و نزهة.

تجربته وحياته جزءا أصيلا بالنسبة لي لفهم العمل والتفاعل معه

ليس كل كاتب يتأثر بحياتهن هناك كتاب يكتبون في الأصل ليخرجوا من التجربة الشخصية التي عاشوها وأعمالهم تكون منافية لهم تماما من ناحية التفكير أو الأخلاق ربما الكاتب يريد إيصال أفكار أو رسالة يريد أن يثير الجدل ليس كل مؤلف يعبر عن الكاتب وعن معتقده وتفكيره ومذهبه.

مجهول أضف ردا

هل يعني يا مريم أنّ كتابات الكُتاب وسردهم لتجارب حياتهم هي مجرد أحداث وهمية لا أساس لها من الصحة؟

نحن نتحدث عن الأعمال النابعة من التجربة الذاتية ، وليس عن كل الأعمال الأدبية ، نتحدث عن هولاء الذين يعيدوا تكرار سرد تجاربهم مر تلو الأخرى .

MeriemHamid أضف ردا
وهناك العديد من الكتب الذين لم ينجوا سوى عمل واحد . الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول التجارب الأدبية المنبثقة من التجارب الذاتية ، وعن يمكن حقاَ تصنيفها أعمال أدبية .. أم أنها تجارب ذاتية مكتوب بأسلوب أدبي!

كل شخص لديه العديد من التجارب الذاتية التي تكفيه لكتابة العديد من الروايات لكن هو عليه أن يعرف طريقة اقتناص الفرصة ومعرفة طريقة روايتها، من فكرة واحدة أو من حدث واحد يمكن للشخص المبدع أن يخلق قصة كاملة.

الأشخاص الذين يخرجون من الساحة الأدبية بسرعة هم من يعتمدون عن في بداياتهم على التقليد الأعمى لكتاب آخرين، لكن لو الكاتب من البداية يعتمد على أسلوبه وطريقته في تسلسل الأحداث يمكنه المواصلة في المستقبل وكل حدث يحصل أمامه يكون فكرة وشرارة لرواية جديدة.

تختلف الأعمال الأدبية كثير

كيف تختلف؟

الأدب يولد من رحم الواقع والتجارب الذاتية هي اهم مصدر له.

هكذا ارى شخصيا الأدب. ولست افضل بكل حال سوى قراءة الأدب الذاتي والتراجم و كافة الانواع الادبية المبينة على الواقع. الادب الواقعي المكتوب بحنكة وبقوة له نكهة تجمع بين الاحساس العالي و التعبير الفريد والواقع القاسي. ارى حتى ان الادب مهما تنوع وتطرف لا بد له من ان ينبثق من الواقع بشكل ما. وكلما اقترب من الواقع كان اكثر مصداقية و اقوى رسالة.

لا اغفل اهمية الانواع الاخرى من الادب بالطبع وهناك على سبيل المثال الادب الذي يكون مبني على افكار فلسفية معينة او مشاكل اجتماعية ويريد ان يشرح او يوصل المنظور الى القارىء. ولكن ارى ان الكاتب الذي لم يخرج من بين السطور ويعيش التجربة لا يعلو ليرقى ان يكتب عنها وحينها يكون ادبه على شكل انعكاس او اسقاط او ظل عن الواقع...

الادب مهما تنوع وتطرف لا بد له من ان ينبثق من الواقع بشكل ما

ولكن ألا ترى بأنّ الأدب بدأ يفقد واقعيته في الوقت الحاضر؟

طبيعي, نزعة الهروب من الواقع الأليم. و الخوف من كشف الواقع على الورق رغم ان الجميع يراه. كما الرهبة من آراء المجتمع و السير مع القطيع. أصبح الأدب كسلعة تتبع قوانين السوق, حيث اصبح الكاتب مجبر ان يتبع الرائج والسائد اكثر من ان يتفرد بالتجربة ويشذ عن القطيع بأن يخرج ادب نادر. المعركة بين ان تصبح مقبولا, وتنتشر او تجازف وتشذ سواء بالأسلوب التفكير الفكرة ام حتى بالنوعية. ولا ننسى ان الكاتب انسان يحتاج ان يعيش ويعيل نفسه واسرته, في غياب الدعم المادي يصير الأدب إلى سلعة, تباع وتشترى. هذا ليس فقط في العالم العربي, بل تقريبا في كل مكان على وجه الأرض. تريند عالمي.

بصراحة تجربتي مع هذا الموضوع ليست مشجعة بالمرة؛ لم أتعمق لأنني بدأت بداية خاطئة نفرتني من الاستمرار في هذا الطريق؛ ففي فئة هذه الكتب (كتب الكاتبات الشابات) بدأت بقراءة كتاب "سندريلا سيكرت"، وبعده كتاب لحنان لاشين يسمى "كوني صحابية"، ولكني لم أجد ما كنت أنتظر أو حتى نصفه.. إما أن الكاتبتين عالجنّ أفكارهن بطرق سطحية، وإما أنا من فئة عمرية غير مناسبة للكتاب.

ولكن كلاَ منهما ، ليست أعمال أدبية ، سندريلا سكيري تحديداَ هو كتاب تنمية بشرية وليس عمل أدبى ، وهناك العديد من التجارب الشابة النسائية المميزة ، منها مثلا رواية " فيكتوريا " لكارولين كامل ، وهى من أحدث ما أنتهيت من قراءته ، وهى العمل الأول للكاتبة ، التى أتوقع لها النجاح ، أيضاَ هناك أعمال الكاتبة نورا ناجى ، والتى أعتبرها من أذكى الكاتبات اللاتى تعاملن مع مسألة الكتابة الذاتية والأدب .

حسنًا إذا وودت أن أعطي الأمر فرصة أخرى، هل لي بترشيح منك لاسم كتاب واحد لأبدأ به؟

بالطبع ، يمكنك قراءة أطياف كاميليا ، أو الكاتبات والوحدة ، لنورا ناجى ،أو فيكتوريا لكارولين كامل ، ومر مثل القهوة ، حلو مثل الشيكولاتة لميرنا الهلباوى .

أرجو أن تستمتعى بقراءتك ، وسوف أكون سعيدة ،لسماع رأيك بعد القراءة .

أرى أن التجارب الذاتية تندرج في إطار الأدب الحقيقي، شريطة أن تصاغ بطريقة فنية أدبية أسلوبا ولغة ورؤية لأنها تستمد قوتها من الواقع، والاحساس بها عميق لانه منبثق من أعماق الكاتب، يكون صادقا شفافا، لذلك يلامس عواطف المتلقين ويلقى إقبالا حسنا.

لايمكننا الحكم على الكاتب من خلال عمل أوعملين لابد أن نترك تجربة الكتابة تنضج بالتراكم.

يمكن حقاَ تصنيفها أعمال أدبية .. أم أنها تجارب ذاتية مكتوب بأسلوب أدبى!

كونها لم تتوافق بشكل كامل مع شروط العمل الأدبي لا يلغي كونها عملًا أدبيا، والأعمال الأدبية لها أكثر من ممكن أن نضعه تحته فهي لا تسير في نظام معين.

أغلب الكتّاب يملكون هذا النوع من الكتب في حياتهم الأدبية مثال كتاب "الأيام" لـ طه حسين، كتاب "رأيت رام الله" لـ مريد البرغوثي، لكن برأيي لو تحولت جميع أعمال الكاتب إلى سيرة ذاتية مثل ميرنا يمكن أن يكون مصيرهم الفشل أو ليس بنجاح الكتاب الأول. ليس خدعة ولكن برأيي كان صادق نابع من القلب فوصل إلى قلوب القُراء بنفس الطريقة عكس باقي الكتب.

بالنسبة لي أقرأ الأعمال الأدبية الذاتية على حسب مضمون ولغة الكتاب نفسها.