للأخلاق معايير جمالية، فكيف نسميها أخلاقًا؟

  • omnya_Ahmed

هناك العديد من الأقوال المأثورة التي تنتشر سريعًا على الإنترنت ومنها قابلني قول نيتشه في كتاب "في جينالوجيا الاخلاق" أن للأخلاق معايير جمالية فإن قتلت صرصورًا فأنت بطل بينما لو قتلت فراشة فأنت شرير" رغم أن فعل القتل ثابت. 

والفكرة حقًا مرعبة عندما نفكر فيها فرغم أن الأثنين كائنات حية إلا أننا نكره أحدها ولا نمانع وجود الآخر وللأمر أسباب بالطبع لكن هل حقًا تعد الأخلاق نسبية عندما نتحدث عن الجمال؟ وهل نفعل ذلك دون وعي في أشياء مهمة أكثر من الفراشات والصراصير؟

 فرق الفيلسوف الألماني بين نوعين من الأخلاق سماهما أخلاق العبيد وأخلاق السادة. فأنماط الأخلاق مرتبطة بالطبقات الحاكمة والمحرك الرئيسي لأخلاق السادة هو "الرغبة في السلطة" ونحن نعني هنا كل ما تعنيه السلطة من مال ونفوذ وغيرهما وهؤلاء السادة هم صناع الأخلاقيات التي تفرض على باقي المجتمع. 

أما أخلاق العبيد فيرى أنها ترتكو إلى مجموعة أخرى من القيم ترتبط بالطيبة والتعاطف والتسامح والخنوع ولها نظرة دينية واضحة ويرى أن منح هذه القيم للطبقة الدنيا كان ضروريًا لتقبل قيم السادة وطريقة حياتهم على اعتبار أن الجائزة الكبرى ليست في هذه الدنيا وأن علينا الصبر وتحمل الوضع وهذا ما حقر نيتشه من قيمته كثيرًا حيث رأي أن الطبقات العليا والحاكمة تستخدم هذه الأخلاقيات لفرض الطاعة لها ولمنظومتها الأخلاقية الخاصة. 

أعتقد بشكل شخصي أن التاريخ وإن كان قد أرانا الكثير ممن وصلوا مراكز عليا وقد اتبعوا أخلاق السادة لكنه قدم لنا أيضًا نماذج لعظماء ساهموا في صناعة ما وصفه الفيلسوف بأخلاق العبيد وعلى رأسهم مثلًا الإمبراطول الروماني ماركوس أوريليوس فالأمر إذن ليس بهذه السهولة ولكنه مدعى للتفكير. 

وعلى أيةحال فقد رأى نيتشه أن الأخلاق هي أصعب ما يمكن للمرء تغييره لأنها عميقة الجذور شديدة التأثير على سلوك البشر وتحتاج فترة زمنية كبيرة حتى تترسخ فما بالك باقتلاعها

فهل الأخلاق نسبية وهل لها حقُا معايير جمالية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فهل الأخلاق نسبية وهل لها حقُا معايير جمالية؟

لا أعتقد أن نظرة نيتشه تستند إلى منطق حقيقي، ففي مثاله الخاص بالفراشة والصرصور، الدافع للقتل واضح، فالفراشة لا تضر، ومكان معيشتها الحقول أو على الأزهار، أما الصرصور يبيت في المرحاض "أعزكم الله"..وهو يتحدث عن القتل وكأنما يريد التمهيد لفكرة أخرى أكثر خبثاً أو قد يريد اللعب بالمسلمات الدينية مثلاً.

لماذا تقتلون من فعل الجريمة الفلانية ولم تقتلوا الذي لم يفعل تلك الجريمة ؟

السؤال سخيف أليس كذلك؟ انه نفس مثال الصرصور والفراشة ولكن طبقناه علينا كبشر.

لذا بالأخلاق معروفة، قد تكون نسبية في مواقف بسبطة جدا ولكن الفعل الجيد معروف والسئ معروف

الأخلاق لها ثلاثة مصادر:

الأول : الدين

الثاني : المجتمع


الثالث: العقل

وهو المقياس الذي نقيم به الفعل أهو أخلاقي ام لا، وكذلك نحلل به الأوامر الدينية أو الأحكام المجتمعية

لم أفهم سبب كره الصرصور لأنه يبات في المرحاض فهو في النهاية حشرة كغيرها من الحشرات. وربما فهمت قصدك لو قلت أنه يجلب الأمراض أو شيئًا مثل ذلك (إن كان يفعل) ولكن في النهاية فنحن نعد قتل الصرصور انتصارًا.

بالنسبة لما أراد نيتشه أن يصل إليه فللأسف لم أقرأ له كفاية لأعلم باطن وظاهر أفكاره لكنني أناقش هنا هذه النقطة فحسب.

وأتفق معك في مصادر الأخلاق ولكن حتى هذه المصادر قد تتفق وتختلف في الكثير من الأشياء لذلك هناك علم كامل في فلسفة الأخلاق يناقش الكثير من المعضلات التي أعدها ممتعة حتى لو لم نواجهها في حياتنا. مثل معضلة القطار مثلًا إن سمعت عنها.

لكن الفعل الجيد معروف والسئ معروف

لكن ألا تتفق معي في أن النظرة المجتمعية للأخلاق قد تغيرت من زمن لأخر وأن النظرة الدينية أيضًا قد يختلف تفسيرها حسب تفسيرات العلماء لها من واقعهم المعاصر؟

ليس بشكل مضاد بكل تأكيد ولكن بعض الأشياء الصغيرة التي ربما كان يعدها السابقون عادية لم نعد نعدها كذلك وهكذا والعكس بالعكس. فلماذا نعتقد إذن أن الجيد والسيء معروفان بهذه الثقة وأنه لا توجد نسخة أفضل منهما؟

لم أفهم سبب كره الصرصور لأنه يبات في المرحاض فهو في النهاية حشرة كغيرها من الحشرات. وربما فهمت قصدك لو قلت أنه يجلب الأمراض أو شيئًا مثل ذلك (إن كان يفعل) ولكن في النهاية فنحن نعد قتل الصرصور انتصارًا.

هل الكائن الذي يأتي من المرحاض سيكون من الطبيعي أن نراه يمرح في المكان الذي نأكل فيه ونعيش فيه؟ ولو تحدثنا من منظور "الضار والنافع" كما تريدين، هل هذا صحياً؟

لكن ألا تتفق معي في أن النظرة المجتمعية للأخلاق قد تغيرت من زمن لأخر وأن النظرة الدينية أيضًا قد يختلف تفسيرها حسب تفسيرات العلماء لها من واقعهم المعاصر؟

نعم قد تختلف طبعاً، ولكن لن تصل إلى التناقض خاصة لو تحدثنا عن الحلال والحرام في ديننا الإسلامي، فإن الخطأ درجات، والإختلاف بين الفقهاء يكون غالباً اختلافاً في درجة "الإثم" أو درجة "التكليف"

ففي الإثم نرى الصغائر والكبائر والغير مستحب..وهنا يكون الخلاف

وفي التكليف..يكون هناك فرض وسنة ومستحب وهكذا.

أما بالنسبة للمجتمع فقد تتغير آراءه بناءاً على الزمن الذي نعيش فيه، لذا هو الأولى بالنقد منا ولا يجب أن نأخذ أحكامه دون تمحيص وتدقيق.

فهل الأخلاق نسبية وهل لها حقُا معايير جمالية؟

أتفق مع ذلك وأعتبر أن الاخلاق أكثر ما يؤثر على قبول الشخص في مجتمعه وكما قال الإمام الشافعي :

قد مــات قـوم وما ماتت مكارمـــهم ***     وعـاش قوم وهـــم في الناس أموات

إن قيـــــل مـــات فلم يمت من ذكره ***   حـــي على مـــــر الأيــــام باقـــــي

و على الرغم من أنني لا اميل لآراء نيتشة كثيرًا؛ إلا أنني أتفق معه هذه المرة..

فيما يخص الأخلاق كنت قد قرأت كثيرًا حول هذا الأمر من عدة مصادر دينية وتاريخية وفلسفية و وخرجت بأن الأخلاق هي نسبية والقول بغير ذلك منافي للواقع، والتعامل مع الاخلاق يتم في كل مجتمع بشكل مختلف عن المختمعات الاخرى وهناك فروق واضحة للعيان كوضوح الشمس من أبسط الامور وحتى أكثرها تعقيدًا ولكن الأخلاق تبقى مهمة في كل مجتمع ويتم تقييم الفرد في مجتمعه وفقًا لأخلاقه السائدة فيه حتى وإن كنا لا نتفق مع معاييرها إلا أن ذلك لن ينفي انها أخلاق بنسبة لذلك المجتمع.

ولهذا نجد الكثير من العرب يغير من اخلافه ليتماشى مع أخلاق المجتمع الغربي الذي هاجر إليه حتى يتم قبوله اجتماعيًا فهي نسبية حتى عند الفرد ذاته وبينه وبين نفسه .

ومنذ القدم يتم التمييز بين الناس وفقًا لأخلاقهم و لامتثالهم للأعراف السائدة في مجتمعاتهم وإلا لاقوا النبذ والتوبيخ أو حتى التشهير بهم أو عقوبتهم فمثلا: كان رجال الدولة الفاطمية يقومون بتطبيق التشهير الجسدي بإنزال عقوبة التجريس على معارضيها ويتم بأساليب مختلفة حسب مكانة الشخص المراد تجريسه فإن كان قائدًا ركب فيلاً أو جملاً ووضع على رأسه طرطور وفعل ويفعل بأتباعه مثلما فعل به وقد يطاف به في مدينة بعينها أو في بلدٍ بعينه أو أن يشهر به في أكثر من بلد ويطاف به مجرسًا بصحبة شخص يحمل جرس للفت الانتباه له وإمعانًا في إذلاله، وقد يطاف به في قفص وقد يصل الأمر لوضع قرد معه داخل القفص يصفعه ،أو أن يلبس المشهر به ثوبًا مزركشًا و يكتب على ظهره اسمه وفعله وكان التشهير المتعلق بالجوانب الاجتماعية و الأخلاقية والدينية يعد من الفضائح التي قد تصيب الفرد ويُذكر أنه مع دخول القائد جوهر الصقلي لمصر قام بتطبيق هذه العقوبة على كل من تسول له نفسه أن يسيء الآداب والأخلاق العامة ولم ينأى أتباع الفاطميين من العقاب إذ أنه طبق على كل من أظهر إخلالاً أو أساء إلى المجتمع المصري وهذا كان مصير جماعة من أولئك الجند الذين استغلوا وجودهم بين الناس فقاموا بأعمال لا اخلاقية وطال هذا التجريس النصارى الذين أساءوا التصرف في أعيادهم مما دعى الخليفة المعز إلى الأمر بالطيف بهم في شوارع القاهرة عقاباً لهم .

وقد قام الخليفة الحاكم بأمر الله باستخدام هذه العقوبة سنة 1009م للتشهير ببائعي الخمور وشاربيها وأصدر أمرًا ينهى فيه الناس من الجلوس في مجالس شرب الخمر وتوعد المخالفين بالجلد والتجريس . وقد تعرض لهذه العقوبة بعد ذلك لاعبي الشطرنج وتم اعتبارها لعبة غير أخلاقية .. في هذه الفترة كانت تلك الأمور في أقاليم أخرى هي أمور أخلاقية وليست سببًا لإلحاق الضرر بالشخص والإحطاط من قدره..

قد تكونُ المرجعياتُ جزءاً من الإشكال الحاصل في اعتبار تصرفٍ معيّن خلقاً سيئاً وبين التعامل معه كأمر طبيعيّ، فمثلاً صاحب المرجعية الدينية سيرى أنّ فعلاً ما هو سيءٌ أو غير أخلاقيّ لأنه محرّم، بينما قد يرى صاحب المرجعية القائمة على الحرية الفردية نفس الفعل عادياً وطبيعياً طالما أنه لا يؤذي أحداً، أرى أنّ هذا هو العامل الأساسيّ في اختلاف نظرة الناس للأخلاق، وطبعاً هنالك عوامل أخرى مثل الزمن والمكان وغيرها..