في الظلام.. بذور نبتت على السطح

Writer_ija

ضعف الشعور لدى الإنسان يؤدي به إلى إعطاء تبريرات للألم والذل والضعف، والوقوع في فخ التوهم والوهم، والتودد لمن يمتلك التصويت من العدد الكثير من البشر. يتم التخلي عن أسمى القدرات والقوات، فيتوهم القوي أنه ضعيف، من ثم يُوضع في قفص الدفاع عن نفسه بأدوات بالية، يحاول أن يقول: إن السكين آلمت يدي، ولم يردع السكين ويهاجم السكين! وما أسوأ من التشوه إلا أنه يجعلك تظن أنك عالٍ إن تخليت عن بيتك وحدودك وفردانيتك. فتخلَّ عن ذلك الوعي الذي جعلك في ذيل القائمة، ولا تحزن ممن خذلوك لأنك توقعت شيئاً منهم وخرج العكس، فهذا أعظم دليل على قوتك. من توهم بالمثالية وظن أن الفكر وحده يكفيه، أو أن الشعور هو أثمن شيء، كمن رأى الحياة بعين واحدة ومشى بقدم واحدة؛ ثم ندخل في عصور تحارب القدم التي أهانوها ولم يروا بها شيئاً، وتحارب القدم الأخرى التي مشى بها ظناً من الإنسان.. وما عليك إلا أن تتخلى عن هذا الإنسان. وفي الظلام بذور نبتت على السطح، وفي الفهم نحن نحاول أن نجد الطريق.

-----

Khadija-ija

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هذا نص ينبض بالصرامة الفلسفية، ويضع المشرط على واحد من أعقد التشوهات النفسية والوجودية التي تصيب إنسان العصر الحديث؛ وهو تشوه عقلية الضحية والهروب إلى الوهم والمثالية الجوفاء لتبير العجز.

المقال هنا يفكك ببراعة كيف يتحول التخلي عن الفردانية والحدود إلى وهم فضيلة، وكيف يسقط الإنسان في فخ التودد للكثرة (القطيع) على حساب قوته الذاتية. هذا الطرح يمثل في عمقه جوهر ما أسميته في كتابي عصر الندية بـ نفق المبالغة العاطفية والتنازل الوجودي، حيث يؤدي تضخم الشعور والمثالية الجوفاء إلى رؤية الحياة بعين واحدة، فيمشي الإنسان بقدم عرجاء، ظنا منه أنه يتسامى، بينما هو ينحدر إلى ذيل القائمة.

إن محاربة السكين التي تجرح اليد بدلا من مهاجمة اليد التي تمسكها، هو التجسيد الحي لغياب الندية مع الواقع؛ فالإنسان عندما يتخلى عن حدوده وبيته وفردانيته بذريعة المثالية، يصبح متاحا ومستباحا، والمتاح في عرف السيكولوجية البشرية يفقد قيمته وهيبته فورا، ليتحول من ندّ يصنع مجده إلى ضحية تبرر الذل والألم.

الخروج من هذا الظلام لا يكون بانتظار الإنصاف ممن خذلونا، بل بتبني الندية كحصن وجودي، وبإدراك أن الوعي الذي يضعنا في قاع القائمة هو وعي يجب التخلي عنه فورا ودون ندم. التوازن لا يقوم على الفكر وحده ولا على الشعور وحده، بل على مواجهة الحياة بندية صارمة تحمي الفردانية وترسم حدودا واضحة لا تسمح لأحد بتجاوزها.

والسؤال الفلسفي الذي يتركه هذا النص البديع: هل يملك الإنسان الشجاعة الكافية للتخلي عن أوهامه الدافئة ومواجهة حقيقة ضعفه، ليولد من جديد كبذرة نبتت على السطح، أم أن شقاء المألوف وجلد الذات يبقى دائما أسهل من حرية المواجهة واستحقاق الندية؟

أحيانًا تكون القوة الحقيقية في فهم الموقف بوضوح واختيار المعركة التي تستحق أن تُخاض، لا في اعتبار كل ألم إهانة وكل خلاف حربًا يجب الانتصار فيها.

كما أن البشر لا يعيشون بالفردانية والقوة فقط، بل بالعلاقات والتعاون والثقة أيضًا. فلو تعاملنا مع الجميع باعتبارهم خصومًا محتملين أو رأينا التوقعات والآمال ضعفًا، سننتهي إلى عزلة لا إلى قوة. المشكلة ليست في أن نثق أو نأمل، بل في أن نبالغ في ذلك دون وعي، أما التخلي عن هذه الجوانب الإنسانية بالكامل فقد يفقدنا جزءًا مهمًا من إنسانيتنا.

على صعيد آخر، أرى أن رومانسية العزلة والانفراد بالذات، أصبحت السلعة الأكثر ربحية لشركات التقنية العملاقة اليوم. الشخص المنسحب من دوائره الاجتماعية يسهل التلاعب به وتحويله لمستهلك نهم للمحتوى الرقمي. لذلك، ربما ما نعده قراراً حراً بالغياب عن الزحام هو بواقع الأمر استجابة خفية لنظام اقتصادي يتغذى على وحدتنا.