هل نبحث عن الحقيقة ام عن ما يريحنا نفسيا؟

سبينوزا لم يكن متشائما حين قال ان الانفعال يسبق الفكرة، اراه كان واقعيا جدا في وصف حال اكثرافراد مجتمعاتنا اليوم، كانط في الجهة الاخرى كان يرسم صورة مثالية للعقل(عقل يتحرر من ميوله، ويحتكم للمبادئ والمنطق)اراه كان يميل للخيال اكثر من الواقع!

لكن اذا تركنا الفلاسفة ونظرنا لانفسنا بموضوعية، سنتاكد ان سلوكنا اقرب لتحليل سبينوزا، نحن دائما لا نسعى للبحث عن الحقيقة كما هي بصدق، نبحث عن صورة منها نحتملها نفسيا، نرفض الافكار المقلقة او المخالفة لنا، وننجذب الى ما يطمئننا ثم نمنحه شرعية عقلية لاحقا لنبرره وكأنه كان اختيارا منطقيا، نحن نذهب للبحث غالبا ونحن لدينا النتيجة النهائية,نذهب لنبحث عن ما يؤكد ما لدينا من افكار فقط لا نبحث لنتاكد من صحة معلوماتنا او خطأها.

يتجلى هذا بوضوح في جميع افكارنا الشائعة بالمجتمع وحتى امثالنا الشعبية، انظر مثلا الى الخطاب العام اليوم في المجتمع تراهم يعبرون عن ان الاجتهاد يؤدي دائما الى النجاح، والفشل دائما سبب التقصير الشخصي، هذه المعادلة التي يتعاملون معها على انها من المسلمات ليست دقيقة، لانها تنكر دور الحظ و الظروف والتفاوت الاجتماعي الخ، الاعتراف بالعشوائية ولو بنسبه بسيطة مؤلم جدا لانه يهدد احساسنا بالسيطرة لذلك نلجأ لمثل هذه المعادلات السطحية حتى لو كانت مضللة

ربما السؤال الحقيقي ليس:هل نحن اذكياء بما يكفي لمعرفة الحقيقة، بل هل نملك الشجة النفسية لتحملها؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تخيل لو أننا ولدنا بشجاعة نفسية مطلقة، نتقبل الحقيقة فور ظهورها، ونعترف بالعشوائية، ولا نبرر انفعالاتنا.

كانت ستختفي الأمثال الشعبية والخطابات الحماسية واليقينيات الأيديولوجية نعم.

لكن في المقابل أيضًا، قد يختفي الفن والشعر؛ لأن الفن في جوهره هو محاولة لمنح العشوائية معنى.

أنا رأيي أنّ الضعف الإنساني في مواجهة الحقيقة، والإبداع الإنساني ينبعان من نفس المصدر.

الفن بكل انواعه هو ابداع، ولا يكون المبدع مبدعا اذا كان سطحي التفكير، هو الابداع في ذاته خروج عن المألوف والاعتيادي، حتى الاختراعات العلمية والنظريات التي غيرت حياتنا، بدأت بافكار مبدعين لم يجربوها ولا اختبروها ماديا لكنهم فقط استطاعوا ان يتخيلوها ويفترضوها بالمنطق، اذا لم يخرجوا من الاطار العام الاعتيادي كان من المستحيل ان يصلوا لهذه الافكار، العشوائية لا تنتج فكرا ولا علما

الحقيقة أن ما تسميه انعدام الشجاعة النفسية قد يكون في جوهره غريزة بقاء ذكية فالعقل البشري لم يتطور ليكون مختبراً للبحث عن الحقيقة المطلقة، بل ليكون أداة للبقاء والاستقرار. لو أننا احتكمنا لمنطق كانط وواجهنا عشوائية الحياة وبرودتها وعدم عدالتها في كل لحظة، لانهار الجهاز النفسي للبشر تحت وطأة القلق الوجودي.

أن المعادلات السطحية (مثل: لكل مجتهد نصيب) ليست مجرد تضليل، بل هي وقود اجتماعي ضروري؛ فبدون الإيمان بأن الجهد يؤدي للنتيجة، سيتوقف الناس عن العمل والإنتاج، وتعم الفوضى والعدمية.

​أما بخصوص الانفعال الذي يسبق الفكرة، فقد لا يكون ذلك نقصاً في الذكاء، بل هو نظام تشغيل سريع يحمينا؛ فالعاطفة تعطينا تقييماً فورياً للمواقف قبل أن يبدأ العقل الكسول في تحليل البيانات. الحقيقة أننا لو انتظرنا التحرر من الميول كما أراد كانط، لما اتخذنا قراراً واحداً في حياتنا، لأن المنطق البارد لا يحرك ساكناً.

أن المعادلات السطحية (مثل: لكل مجتهد نصيب) ليست مجرد تضليل، بل هي وقود اجتماعي ضروري؛ فبدون الإيمان بأن الجهد يؤدي للنتيجة، سيتوقف الناس عن العمل والإنتاج، وتعم الفوضى والعدمية.

قد تكون اصوب اذا قلنا ( لكل مجتهد نصيب حسب مسار اجتهاده وادواته) ، الا ترين اننا لم نتطور اي تطور معرفي سوى عندما خرج افراد مننا من هذه المعادلات السطحية وبحثوا عن معادلات جديدة، قد تكون هذه المعادلات نافعه فقط لمن يبحث عن قوت يومه لكنها ليست بنافعه لمن اراد ان يغير من شكل حياته او حتى من مهاراته

لا اعرف لكني اظن أن تعقيد معادلة النجاح وربطها بالمسارات والأدوات هو الذي قد يعوق التطور الفعلي ويخلق جيلاً من المنظرين فقط دون انجاز أن الانتصارات الكبرى في تاريخ البشرية لم يحققها من غرقوا في تحليل العشوائية والحظ بل أولئك الذين امتلكوا يقينًا ساذجًا بالمعادلة البسيطة (اجتهدْ تنجحْ)، لأن هذا الإيمان هو المحرك الوحيد الذي يمنح الإنسان الطاقة لتجاوز العقبات المستحيلة، بينما الوعي المفرط يعيي صاحبه بتعقيدات الواقع ولا يؤدي غالباً إلا إلى الشلل الفكري.

بالفعل علاقتنا بالحقيقة ليست مجرد مسألة ذكاء أو معرفة بالموضوع من جميع جوانبه وأدواته ، بل مسألة استعداد نفسي للتعامل مع ما قد يزعجنا أو يهدد إحساسنا بالسيطرة. كثير من المعتقدات السطحية التي نتمسك بها ليست بالضرورة خاطئة في حد ذاتها، لكنها مريحة نفسيًا، فنختارها لأنها توفر الطمأنينة أكثر من كونها تعكس الواقع بدقة.وحين يشعر الانسان بالطمأنينة حينها يستطيع أن ينتج ويبذل قصارى جهده بل ويدرك الحقيقة كاملة

طبعا كثير من المعتقدات السطحية أو الراسخة نحتفظ بها لأنها تمنحنا شعورًا بالطمأنينة، وليس لأنها تعكس الواقع بدقة، وهذا طبيعي لأن النفس تبحث عن الاستقرار أولًا.

و حين يجد الإنسان توازنًا بين الطمأنينة والواقعية، يصبح قادرًا على الإنتاج والعطاء بشكل أفضل، لأنه يستطيع التعامل مع الحقائق الصعبة دون انهيار نفسي، ويدرك الواقع بكامل تفاصيله دون أن يسيطر عليه القلق أو الخوف. هذا يعني أن الاستعداد النفسي للحقيقة هو مفتاح القدرة على الفهم والعمل.