حضارات الأجداد

  • مجهول
التباهي بحضارات الأجداد الغابرين أمر محمود، ولا يعد عيبا أو شيئا منتقدا... فانتماء الإنسان إلى جذوره، والحديث بفخر عن تاريخه، واستلهام إنجازات الأجيال السالفة التي عاشت على نفس الأرض التي يحيا عليها هو أمر رائع.

ولكن.... ماذا لو تحول هذا الأمر إلى ما يسمى بالشوفينية أو المبالغة في تقدير الذات والانتقاص من الآخرين؟... النتيجة أن يتحول الفخر المحمود بتراث وحضارة الأجداد إلى سبب للخمول والتوقف عن السعي والاجتهاد... في النهاية مهما بلغ تراث الأجداد من عظمة يبقى ماضيا ولى، ويظل واجبا على الأجيال المعاصرة أن تبني مجدها بنفسها... حقيقة تثير شفقتي الصراعات على مواقع التواصل بين أشخاص ينتمون لحضارات مختلفة على أي الحضارات أعظم، حتى يصل الأمر للتراشق والسباب.. أمر عجيب أن يتصارع الناس على منجزات لم تصنعها أيديهم وعقولهم.... والأعجب منه أن تنسب مجموعات من البشر لأنفسهم حضارات ثبت بالعلم والتاريخ وما ترى العين، بل وبديهيات المنطق نسبتها لشعوب بعينها... هذا الأمر مضحك فعلا، فهو يشبه أن تقول للناس أن الأرض غير كروية أو أن الشمس تشرق من المغرب.... هذه المجموعات البشرية التي تريد أن تنسب لأجدادها إنجازات أجداد غيرها مثيرة للشفقة جدا، فهم لا يسرقون منجزا حضاريا آنيا بل ماض سحيق ظانين بذلك أنهم يرفعون أنفسهم إلى مصاف الأمم المتقدمة بهذا التدليس.

على أية حال تزوير التاريخ يجب أن يجابه بحسم، كما يجب أيضا أن يجابه الإفراط في الإعجاب بحضارات ولت منذ زمن بعيد وبقيت آثارها لتلهم الأحياء ليبنوا حضارتهم بسواعدهم.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الفخر بحضارات الأجداد لا يعني بالضرورة التوقف عن السعي أو العيش على أمجاد الماضي فقط، فبالنسبة لكثير من الناس يكون هذا الانتماء مصدر إلهام ودافع للحفاظ على الهوية ومحاولة بناء حاضر أفضل. كما أن ارتباط الشعوب بتاريخها أمر طبيعي، لأن الهوية الثقافية لا تتكون من الحاضر وحده، بل من تراكم طويل من التجارب والإنجازات التي يشعر الناس بأنها جزء منهم حتى لو لم يصنعوها بأنفسهم.

ارى أنه في الوقت الحالي الفخر والتمجيد صار مجرد وسيلة للتظاهر وموضوعا لاقامة الجدل. لان استمرار الحضارة يتطلب منا وعيا بها وعملا عليها لاستكمال مسيرتها وتحسينها.

فالحفاظ الحقيقي على الهوية لا يكون فقط بتذكر الانتماء في محافل او مناسبات وانما يكون بتجسيد أفعال تكمن الهوية من الاستمرار و التطور وتمنعها من الاختفاء الحقيقي

بالطبع بل انه احيانا يكثر التمسك بالماضي عندما يعرف الشخص كم ان حاضره صعب ، مثلما حدث في فترة من فترات التاريخ المصري القديم تدعي العصر الصاوي كانت متدهورة سياسيا وفنيا ، فقام الشعب بطريقة لا واعية بحملة العودة الي الاجداد فبدأو بتقليد الفن و الكتابة وحتي التماثيل لاجدادهم من الدولة القديمة ليس لأنهم لا يحاولون، بل لانهم يحاولون بالفعل تذكير انفسهم امهم احفاد تلك الحضارة و انه سيأتي اليوم الذي يعودون فيه لامجادهم.

. ولكن، ماذا لو تحول هذا الأمر إلى ما يسمى بالشوفينية أو المبالغة في تقدير الذات والانتقاص من الآخرين؟.

أنا مصرية، كنت أتحدث ذات مرة مع شخص عراقي، وقد دخل معي في جدال عنيف، يريد أن يثبت أن حضارة الرافدين أقدم وأعظم من حضارة مصر. كان آخر ما قلته له: نكتفي بهذا القدر من الجدال على شيء لم نصنعه، حضارتك أعظم حضارة بالعالم، وحضارة بلدي أعظم حضارة بالعالم، ولا أحد ينكر ذلك، ومع السلامة.

بالرغم من فخري بالحضارة المصرية وغيرتي الشديدة عليها عندما يقلل أحد منها، لكني في أحيان كثيرة أشعر بالأسف لأننا غير قادرين على استكمال هذه الأمجاد التي بدأها أجدادنا. وللأسف، إذا استمرينا في هذا المستوى، فمع الوقت لن يكون لدينا شيء يدعو للفخر.

ليس معنى استكمال المجد هو أن نقلد ما كان يفعله الأجداد بحذافيره، لكن بناء حضارة تناسب عصرنا الذي نعيش فيه، ويمكن أننا قد بدأنا القيام بذلك بالفعل مثل: بناء المدن الجديدة وتطوير شبكات المواصلات وغيرهم، لكن الظروف الاقتصادية تُعتبر عائقًا كبيرًا لا يمكن إنكار أيضًا.

الحضارات العظيمة لا تُقاس فقط بما تركه الأجداد بل بما يضيفه الأحفاد أيضاً. فالفخر بالماضي جميل، لكن الأجمل أن يكون لنا حاضر يستحق أن يفتخر به من بعدنا.