اليتم التشردي

التشرد ليس مجرد فقدان للمأوى، بل هو فقدان للمنطق أحياناً. فبرغم العجز والفقر، يصرُّ البعض على إنجاب جيشٍ من الضحايا، لا ليعيشوا، بل ليتحولوا إلى أدواتٍ في معركة التسول اليومية.

إنها النرجسية في أبشع صورها؛ أن يقرر شخصٌ بالغ، يعجز عن إطعام نفسه، أن يستثمر في أوجاع طفلٍ صغير ليؤمن لنفسه لقمة العيش. يأتي الطفل إلى الدنيا بلا اسمٍ أحياناً، وبلا حقوقٍ دائماً، ليجد نفسه بائعاً للمياه أو متسولاً في زاوية الشارع، يحمل عبء أخطاء والديه قبل أن يحمل حقيبته المدرسية.

السؤال الذي يصفع وجه الإنسانية: إذا كنتَ غير قادرٍ على احتواء نفسك، بأي حقٍ تدّعي القدرة على احتواء روحٍ أخرى؟ اليتم ليس دائماً بموت الوالدين، أحياناً يكون بوجودهما كخصومٍ للحياة في وجه أطفالهم.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اعتقد ان الشخص غالبا لا يفكر في هذا اصلا ولا يفكر في مصير الطفل ، بالنسبة له الانجاب فعل بيولوجي مثل التعرق او الطعام ، خاصية هو مزود بها للحصول علي مشاعر معينة او رفيق في الحياة يلقيه في نفس الحياة التي يعرفها .

لكن لا يمكن أن يكون هذا مبررا يجعله أن يدفن معه أطفال أبرياء في الشارع دون مأوى و لا مسكن،و إن أصح أنه في بعض الحالات الشائعة بعضهم يفكر في مصير هذا الكفل ،لكن في كاسثمار مهني يجني به قوت يومه،و هذه تعتبر نرجسية من شخصين بالغين .

حسنا لا ارغب في قول هذا ولكن هل تعتقدي ان قطط الشوارع تفكر في مصير اطفالها في الشارع واحتمالية تعرضها للدهس والافتراس ؟

هذا نوع من التكاثر الغريزي الخالي من التفكير اصلا .

الله عندما خلق الإنسان ميزه بالعقل عن غيره من المخلوقات،كما اننا إن أخذنا مثال القطة هذه سنجد انه مهما تكاثرت،الحثوانات لديهم غريزة تساعدهم على العثور عن الطعام و المأوى و تحمل مسؤوليتهم حتى لو كانوا صغارا،يمكنهم الصمود و العثور دائما على مخرج.أما الأطفال فلا بد ان يكون هناك مسؤول عنهم يراقبهم ويهتم بأمرهم.

الله عندما خلق الإنسان ميزه بالعقل عن غيره من المخلوقات

العقل استخدام للمخ وليس مجرد عضو تشريحي ، فان كان وعي الانسان وطريقة حياته خاليه من الوعي والتفكير فهو بدون عقل حتي لو كان يملك مخ بشري داخل جمجمته .

لا يوجد حياة خالية من الوعي،فليس يمجرد أنه يمر بفترة عصيبة يعني أنه فقد وعيه،و إن كانت حياته ميسرة يعني انه في كامل وعيه.

الوعي لا يقاس بالمحيط،يمكن إن كنت تحدثينني عن وعي الأفكار أما وعي الأفعال فهو حاصر دائما ،سواء كان فعلا مشرفا أو شنيئا .

لا اقصد بفقدان الوعي ، الغياب عن الوعي او الذهان ، بل غياب الحكم الرشيد بل غياب الحكم نفسه والتروي والتفكير او السؤال قبل الفعل فيصير الانسان كائن غريزي كالقطط والكلاب تحركه الحاجه والدوافع فقط.

دعيني أوضح نقطة جوهرية؛ الوعي ليس حالة ذهنية ترفيهية تأتي مع الرخاء وتغيب مع الشدة، بل هو كينونة الإنسان التي لا تنفصل عنه. فليس بمجرد أن يمر المرء بظروف عصيبة يعني أنه فاقد لأهليته أو مغيب عن الواقع.

لقد خلقنا الله بوعي الأفعال الذي يظل حاضراً دوماً، سواء كان الفعل مشرفاً أو شنيعاً. والفقر، مهما بلغت قسوته، لا يسلب الإنسان قدرته على طرح السؤال المصيري قبل الإقدام على الفعل: هل أنا قادر على تحمل تبعات هذه الروح الجديدة؟

إن السؤال الذي يحتاج إرشاداً هنا ليس موجهاً لطرف خارجي، بل هو إرشاد ذاتي ينبع من مواجهة النفس بالحقيقة. الوعي هو أن تدرك أنك لست مجرد كائن غريزي تحركه الدوافع كالقطط، بل كائن مريد يملك ميزان العقل. وتغييب هذا الميزان تحت ذريعة الحاجة أو الظروف ليس إلا هروباً من المسؤولية، لأن الإجابة على هذا السؤال الرمزي تتغير بتغير الحالات، ولا يملك مفتاحها إلا الشخص نفسه في خلوته مع ضميره.

الوعي هو أن تدرك أنك لست مجرد كائن غريزي تحركه الدوافع كالقطط، بل كائن مريد يملك ميزان العقل

ان لم اقصد ربط ذلك بالظروف او بالفقر والغني ولكني قلن بان ليس كل الناس يتصرفون بوعي والا لماذا يصل وزن شخص ل 300 كيلو جرام مثلا وتتدمر صحيته ، لقد فقد تلك الحالة التي وصفتيها .

تلك الحالة "يفترض" ان تكون لدي كل البشر ولكن الواقع عكس ذلك مثلما ان الواقع ان ليس الجميع لديه ضمير مثلا .

زيادة وزن الشخص لـ 300 كيلو أو نقصانه لـ 20 هو قرار يخص صاحبه، وضرره ينتهي عند حدود جسده، ولا يمنحه ذلك صفة اللانسانية أو الانحراف الأخلاقي.

لكن الأمر يتحول إلى نرجسية وجناية عندما يتجاوز الفعل حدود الذات ليقع ضرره على أرواح أخرى بريئة. أن يقرر أبوان الإنجاب في الشارع، فهما لا يمارسان فعلاً بيولوجياً فحسب، بل يمارسان تعدياً صارخاً على أطفال لا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم.

ماذا لو توجهنا لأن ينجب لكن يسعى ويعمل وينجح لأجلهم، أو ينجب ولكن اثنين فقط، أو يزيد إذا تيسر حاله وأصبح قادر على الاعالة المعنوية قبل حتى المادية، فالبعض إذا ناقشته هكذا يقول الرزق على الله نعم هو كذلك لكن مقرون الرزق بالسعى لذا أظن تنجح الفكرة لو نصنحنا بالتقليل أو السعي!

حسنا،أنت تفكر بهذه الطريقة،و أنا أتفق معك.

لكن هل تظن أن الشخص الذي ترعرع في الشارع و قضى معظم حياته متشردا في الأزقة،دون مأوى،دون طعام،دون ملبس،دون تعليم،سيرى الصورة من هذا المنظور؟

و يفكر بهذه الطريقة؟ الحقيقة انه قضى معظم أيامه في الشارع و لم يفكر أبدا في العمل بل اقتصر على التسول،و حتى و إن فكر في الحصول على وظيفة يجني بها قوته فلم تنجح فكرته هذه.

أي أنه في بغض الحالات التي تكون فيها احتمالات نحاح و فشل،من الأفضل أن يبدا بالعمل و يحاول أن يكشب بعض المال قبل أن يفكر بالإنجاب او الزواج.

من يحارب برأيك لماذا يحارب ؟ دائما لمنع أذى أو تحقيق غنيمة أو منفعة ؟ هذا الذي لم يرى أي نظرة أمل من الحياة كيف نقنعه أن يحارب ؟ لكن لو عنده ما نحسه على أن ينتصر لأجله هنا ولله الوضع سيختلف! ليس عند الكل بالتأكيد لكن بدلاً من الحرمان وكأنه يحمل وباء نمنع تناسله أليس الافضل معالجة الوباء ؟

إن الروح البشرية ليست حقل تجارب لنختبر مدى قدرة الشخص على النجاح بعد الإنجاب. أن نأتي بطفل ليكون هو السبب في محاولتنا للعيش، بينما نحن لم نُقدر قيمة أرواحنا كبشر بما يكفي لنسعى لأنفسنا، هو ظلم بيّن. المحاولة الحقيقية تبدأ ببناء البيت مادياً ومعنوياً قبل دعوة الضيوف إليه، أما دعوة طفل لشارع مظلم ثم انتظاره ليضيء لنا حياتنا، فهي أنانية مُفرطة لا تمت للسعي بصلة.

إنها عملية تحويلٍ للفطرة والانطلاقة والعفوية إلى كائنٍ مقموع، محكومٍ بقبضةٍ لا ترحم، وأسيرٍ لفتات الطعام الذي يبقيه حيًا.

يظل غارقًا في صراعه وخوفه ودمعاته، حتى يقوى جسده يومًا على القيد فيحطمه، ويتمرد على كل شيء.

فيتحول إلى ضحيةٍ تعادي المجتمع الذي طالما آذاه بنظراته وكلماته وأفعاله.

عندها فقط يتذكره المجتمع… لا كضحيةٍ صنعها بيديه، بل كمذنبٍ يستحق العقاب.

و يا للمأساة،فإن هذه الظاهرة أشبه بمرض متوارت يلوم فيه الشخص من سبقه ،و الطفل من أنجبه .

و لكن الحق معهم،فرغم أن الظروف لم تكن مساعدة،لكن على الأقل،يجب أن يكون الإنجاب و التكاثر آخر قضية وطرح في هذا الجدال.