هل البيانات دائمًا على حق أم أننا نبالغ في تهميش الحدس والخبرة ؟

بحكم عملي في تحليل البيانات، دائماً ما أنحاز للأرقام وأرى أنها الحقيقة المطلقة، وأي قرار يُتخذ بناءً على "الإحساس" أعتبره مخاطرة غير محسوبة ومصيرها الفشل.

​لكن مؤخراً، مررت بموقف جعلني أعيد التفكير؛ كنت أعمل على تحليل لمشروع، وكانت كل الأرقام تشير إلى أن اتجاهاً معيناً هو الأفضل ونسبة الخسارة فيه شبه معدومة. لكن صاحب العمل قرر اتخاذ مسار آخر تماماً بناءً على خبرته في السوق وحدسه حول سلوك العملاء في هذه المنطقة. والمفاجأة كانت أن قراره حقق نجاحاً ساحقاً رغم أنه كان ضد المنطق الحسابي والبيانات المتاحة حينها.

​هذا الموقف دفعني للتساؤل: في عصر القرارات المبنية على البيانات (Data Driven)، هل أصبحنا نهمش دور الحدس البشري والخبرة المتراكمة أكثر من اللازم؟ أم أن البيانات فعلاً قاصرة عن رؤية الصورة الكاملة بأبعادها النفسية والإنسانية؟

​أتمنى أن تشاركوني آراءكم، هل مررتم بموقف مشابه في عملكم اضطررتم فيه لتجاهل المنطق والحسابات واتباع حدسكم أو خبرتكم، وكانت النتيجة لصالحك؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الأرقام تفوز في 99‎%‎ من الحالات، أما القرار المبني على الحدس والخبرة الذي اتخذه صاحب العمل فنسبة النجاح فيه كانت 50‎%‎

فما الأولى في الاتباع إذا؟ بالنسبة لي دوما ما اتجه إلى الأرقام، الوعي والخبرات والحدس أمور مطاطة جدا قد تصيب مرة لكنها أيضا قد تخطيء مرة، وهذا الاستثناء لا يثبت القاعدة طبعا.

صحيح تماما

حتا هو كتب

حول سلوك العملاء في هذه المنطقة

معناها المشكلة في الارقام و طريقة جمعها و المعلومات المغلوطة التي بنية عللى معلومات مغلوطة

اي ان الارقام صحيحة لكن لم يتم جمع الارقام الخاصة بالصورة بشكل كامل

من الطبيعي اعتبار ان الاعتماد على بيانات ناقصة امر خاطئ و ليس "البيانات فعلاً قاصرة عن رؤية الصورة الكاملة بأبعادها النفسية والإنسانية"

الأرقام بالفعل لا تكذب، لكنها صامتة وتحتاج لمن يفسر سياقها. واجهت حالات كانت البيانات فيها تشير لاتجاه معين منطقيا، لكن خبرة مدير المشروع بالسوق أو الحدس نبهتنا لمتغير خارجي لم ترصده البيانات بعد.

​الأرقام ممتازة ومكتسحة في جانب التحسين وتقليل المخاطر، لكنها نادرا ما تصنع الابتكار ، لأن الابتكار بطبيعته هو قفزة في المجهول لا توجد لها بيانات سابقة لتقيس عليها، وهنا تظهر قيمة الحدس والمغامرة المحسوبة.

البيانات لا تكذب، لكن يمكن تضليل الحقيقة باستخدامها.

الأرقام في ذاتها محايدة، غير أن طريقة اختيارها أو تفسيرها قادرة على صنع سرديات زائفة. وأحيانًا، يكفي تغيير طفيف في معطى واحد لتتبدّل احتمالات وقراءات كاملة.

التحيّز الظاهري في التوظيف

عند النظر إلى مؤسسة يعمل فيها أفراد من عرقٍ واحد بنسبة 95%، مقابل 5% فقط لعرق آخر، قد يبدو الاستنتاج المباشر هو وجود تمييز عرقي ممنهج.

غير أن هذا الاستنتاج قد يكون مضلّلًا إذا أُغفل السياق الديموغرافي: فإذا كان المجتمع المحيط بالمؤسسة يتكوّن بنسبة 99% من العرق الأول أصلًا، فإن توزيع التوظيف يصبح متسقًا مع الواقع السكاني، لا دليلًا على التمييز.

الطائرات في الحرب العالمية الثانية (مفارقة النجاة)

خلال الحرب العالمية الثانية، جمعت الجيوش بيانات عن الطائرات العائدة من المعارك، ولاحظت أن الأجنحة والذيل مليئة بثقوب الرصاص، فكان الاقتراح المنطقي هو تدعيم تلك الأجزاء.

إلا أن الإحصائي المجري "الأمريكي أبراهام فالد" نبّه إلى خطأ قاتل فالطائرات التي دُمّرت لم تُدرج في الدراسة. فغياب الثقوب عن المحركات لم يكن دليل سلامتها، بل دليل أن الإصابة هناك كانت قاتلة ولا تسمح للطائرة بالعودة أصلًا. الحل الصحيح كان تدعيم المحركات، لا الأجنحة. تغيير بسيط في زاوية قراءة البيانات قلب القرار العسكري رأسًا على عقب.

الانحياز للغة الارقام والبيانات هى مرآة تعكس لنا الماضى وفسر لنا ما حدث وكيف حدث ولكنها تعجز عن رصد مايحدث فى النفس البشرية أو التغيرات المفاجئة فى مزاج السوق، الحدث التى اتخذه صاحب العمل لم يكن تخمين عملية معقدة من تخزين البيانات فى عقله عبر سنوات من الخبرة هى غالبا بيانات غير مهيكلة

فعلا، ما نسميه حاسة سادسة عند الخبراء هو في الحقيقة نتاج خوارزمية بيولوجية معقدة في عقولهم قامت بتحليل آلاف المواقف والمشاعر السابقة التي تعجز جداول البيانات الصماء عن رصدها أو فهم سياقها الإنساني.

​نحن كمحللين بيانات بارعون في قراءة "ما حدث"، لكن الخبرة البشرية ما زالت تتفوق في استشعار ما سيحدث بناء على هذا المخزون المتراكم الذي لا يمكن تحويله لأرقام بسهولة.