القراءة بين الإجبار والاختيار: رؤية قرآنية وحضارية
ليس من المصادفة أن يكون أول فعل أمر نزل في القرآن الكريم هو: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1). فقد أراد الوحي أن يؤسس منذ اللحظة الأولى لمعنى محوري: أن القراءة والعلم هما مفتاح الإنسان للكرامة والاستخلاف وبناء الحضارة. فالقراءة لم تأتِ في النص القرآني كتوجيه ثقافي عابر، بل كمنهج حياة وقانون حضارة، من أخذ به ارتفع، ومن أعرض عنه تراجع.
أولًا: التأصيل القرآني للقراءة
أول أمر في الوحي: جاء الأمر الإلهي بالقراءة مرتبطًا باسم الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ليؤكد أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن الإيمان، وأن العلم يجب أن يكون منضبطًا بالقيم الإلهية.
تكريم آدم بالعلم: قال تعالى:﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31).فالعلم كان هو الفارق بين آدم والملائكة، وبه استحق مقام الاستخلاف.
الارتقاء بالعلم: نصت الآية الكريمة:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11)، فبيّنت أن التفاضل بين البشر مرهون بالعلم، لا بالنسب ولا بالمال.
حرية الاختيار: رغم الأمر الإلهي، أقرّ القرآن قاعدة عامة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256). فالقراءة لا تُثمر بالإجبار، وإنما تتحقق بالوعي والاقتناع.
ثانيًا: القراءة بين الإجبار والاختيار
الإجبار: قد يُجبر الإنسان على الجلوس في قاعة درس أو حمل كتاب، لكن هذه صورة ظاهرية لا تُنتج معرفة حقيقية. الاختيار: القراءة المثمرة هي التي تنبع من إرادة داخلية ورغبة صادقة في التعلم والفهم، وهو ما يؤسس للعقل الناقد والمجتمع الواعي.
ثالثًا: القراءة وصناعة النهضة عبر التاريخ
1- في الحضارات القديمة
الإسلامية: جعل المسلمون الأوائل القراءة أساسًا لحضارتهم، فأنشؤوا المكتبات الكبرى (بيت الحكمة ببغداد، دار العلم بالقاهرة)، وقادوا العالم في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.
اليونان والرومان: ورثوا علوم الفلسفة والسياسة والقانون عبر القراءة والترجمة.
الصينيون: ابتكروا الورق والطباعة، فساهموا في نشر المعرفة وحماية حضارتهم.
2- في العصر الحديث
أوروبا: نهضت من عصور الظلام بفضل الطباعة وانتشار القراءة، فدخلت عصر النهضة.
اليابان: بعد القرن التاسع عشر، جعلت التعليم إلزاميًا، فتحولت خلال عقود إلى قوة صناعية كبرى.
كوريا الجنوبية: بعد الحرب الكورية (1950م) انتقلت من الفقر المدقع إلى مصاف الدول المتقدمة بفضل محو الأمية وتبني القراءة.
رابعًا: دراسات حالة (Case Studies)
اليابان: بعد دمار الحرب العالمية الثانية، وضعت خطة إلزامية للتعليم، فارتفعت نسبة القراءة، وتحولت سريعًا إلى دولة صناعية رائدة.
كوريا الجنوبية: استثمرت في التعليم، واعتبرت القراءة أساس النهضة، حتى أصبحت من أكثر الدول استثمارًا في البحث العلمي.
سنغافورة: بلا موارد طبيعية، لكنها تبنت سياسة "أمة قارئة"، فتحولت إلى مركز تجاري عالمي.
ماليزيا: حملة "ماليزيا أمة قارئة" (1995م) ساهمت في رفع مستوى الثقافة وتنمية الاقتصاد.
العالم العربي: رغم الثروات الهائلة، إلا أن ضعف سياسات القراءة جعل الفرد العربي لا يقرأ إلا دقائق معدودة سنويًا مقارنة بمئات الساعات في الغرب والشرق الآسيوي.
خامسًا: المعادلة الحضارية للقراءة
يمكن صياغة العلاقة في معادلة مبسطة: قراءة + علم = وعي ثم نهضة ثم حضارة.
بينما:
إعراض عن القراءة = جهل ثم تخلف ثم تراجع حضاري.
يتضح أن القراءة في ضوء القرآن الكريم ليست مجرد عادة ثقافية، بل تشريع حضاري وأساس للاستخلاف. فبالعلم والقراءة فُضّل آدم، وبالأمر الإلهي "اقرأ" افتُتح الوحي، وبرفع العلماء درجات اكتمل شرف الإنسان. والتاريخ شاهد: أمم قرأت فنهضت، وأمم أعرضت فتراجعت، وكأن "اقرأ" هي قانون الحضارة البشرية.
إذا كان الله قد افتتح رسالته الخالدة بكلمة "اقرأ"، فهل يُعقل أن تكتب أمة لا تقرأ لنفسها مستقبلًا مشرقًا؟