كنتُ دائمًا مشبعة بفكرة أن الله هو الرازق، منذ طفولتي، لم أعرف من أسماء الله إلا هذا الاسم: “الرازق”. كان هو الاسم الوحيد الذي يُردد على مسامعنا، وكأن الله لا يُرى إلا من هذا الباب، وكأن العالم كله لا يتحرك إلا لأن الله يرزق. لم يخبرونا عن الباسط، والمؤخر، والمهيمن، والمقتدر، والولي، واللطيف، والمقدم، والمانع… لم نسمعها، ولم نتعلمهم، ولم نجد من يعلّمنا كيف نرى الله بعينه الكاملة لا بعين الرغبة
ولأننا لم نُعلَّم إلا أن الله “يستجيب”، نشأنا نظن أن الله مثل الحارس الشخصي، يحقق أمانينا، يفتح لنا الأبواب، يزيل العراقيل من طرقنا فإن لم يفعل، بدأنا نُشكك فيه. هكذا تشكّل وعي جيل هش، يرى الله فقط إنجازاً أو تحقيقاً، لا يرى الحكمة ولا يرى الله في ذاته، لا يرى المانع الذي يمنع ليحفظ، ولا يرى المؤخر الذي يؤخر نليطهّر، ولا يرى الحكيم الذي يدبّر بحكمة لا نراها
هناك من يقول ان الدعاء يحتاج إلى سعي لكن الدعاء لايحتاج لان سوى سعيت لم تسعى انت إنسان وتحب السعي للوصول إلى مطلبك لاتربط هذا بلدعاء وفي النهايه التوفيق بيد الله
دعوني أطرح سؤالاً: ألم يكن إبراهيم عليه السلام وحده في وجه النار؟ لم يُطفئها بيده، لم يركض، لم يحمل ماءً ولا سعى. كان متوكلًا… فقط. قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، فجاء الأمر الإلهي: “يا نار كوني برداً وسلاماً”. سيقول بعضكم: “لكنها معجزة، وهو نبي!”، وأنا أقول: نعم، ولكن الأنبياء بشر، والبشر يمكنهم أن يعرفوا الله فيكون لهم من الله ما يجعل النار بردًا، والبحر طريقًا، والعمى بصيرة
الأنبياء هم أكثر من ذاقوا الهمّ والخذلان والفقد. يعقوب عليه السلام رأى ابنه يُنتزع من حضنه، لم يعلم حيٌّ هو أم ميت. يوسف عليه السلام ألقي في البئر، وسُجن مظلوماً. موسى عليه السلام طاردَه فرعون حتى قال الناس من حوله: “إنا لمدركون”. لكنه قال: “كلا، إن معي ربي سيهدين”
هنا جوهر المعنى هنا الفرق عرفوا الله، لا من باب الرزق فقط، بل من كل أسمائه، فعاشوا الحق، لا الناقص الذي لا يرى من الله إلا عطاياه
علّموا الناس قبل أن يعرفوا الله “الرازق”، أن يعرفوه “العليم”، “القدير”، “الوالي”، “المحيي”، “الجامع”.
قولوا لهم إن الله هو القادر على أن يخرج من الشر خيراً، ومن الخير شراً.
الله ليس اسمًا واحدًا، بل تسعة وتسعين اسماً، كل منها بوابة لفهمٍ أعمق، وطمأنينة أكبر، وتسليم أصدق.
قولوا لهم إن الله لن يُعرف من الدعاء المستجاب فقط، بل يُعرف من الحياة كلها. من لحظة ألم، من صبر، من ابتلاء، من انتظار، من لوعة، من حُلمٍ لم يأتِ بعد
لا تدع حلمًا لم يتحقق يكسرك. لا تسمح لدعوة لم تُستجب أن تهز إيمانك.
نحن في الدنيا، نعم. وسنفرح، وسنبكي، وسننتظر، وسنخسر.
لكن في النهاية… كل شيء عند الله.
وستذهب إلى قبرك، إلى ذاك المكان الذي يخاف منه الناس، وهو في حقيقته ربما أجمل بكثير مما نظن.
هناك ستقابل من رحل، ستجتمع بمن تحب، ستبدأ حياةً أخرى
اقرأ القرآن، وتدبر، واذكر الله كثيرًا، وإذا ضاقت بك الدنيا… أغلق باب غرفتك، وقل له فقط: “يا الله”، وستشعر كيف يُفتح في روحك ألف باب.
نحن نحتاج أن نفكّ أنفسنا من عبودية الأشياء، عبودية الدعاء المستجاب، عبودية الصورة الكاملة، عبودية السيناريو الجميل اللي نتخيله
لا تجعل الحلم صنمًا
الأحلام جميلة، لكنها خطيرة إذا صارت صنمًا. إذا علّقت قلبك بها ونسيت الله، ستنكسر كلما تأخرت.
لكن إن تعلّقت بالله، فإنك حتى لو خسرت حلمك، ستربح قلبك.
الدنيا تمرّ، والأحلام تتغير، لكن الله يبقى.
تذكّر… غدًا يومٌ آخر
نعم، غدًا يومٌ آخر.
وقد تأتي فيه الإجابة، وقد لا تأتي، لكن الأهم أنك تعرفت أكثر على الله.
وهذا، هو الفوز الحقيقي
السؤال كيف نتعرف على الله مثل الأنبياء!