حكم من يصوم عن المعصية ويفطر عليها

مقدمة

الصيام عبادة عظيمة تهدف إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، وليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب. ومن مقاصد الصيام أن يعوِّد الإنسان نفسه على ترك المعاصي والسيطرة على شهواته. لكن هناك من يمتنع عن الذنوب أثناء النهار فقط، ثم يعود إليها بعد غروب الشمس، فيؤجل السب أو الشتم أو غيرها من المعاصي إلى ما بعد الإفطار، فهل هذا يتفق مع روح الصيام؟ وما حكم هذا الفعل؟

أولًا: مفهوم الصيام الحقيقي

الصيام في الإسلام ليس مجرد كفٍّ عن الأكل والشرب، بل هو تدريب للنفس على التقوى، كما قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). وقد بيَّن النبي ﷺ أن الصيام يشمل الامتناع عن الأقوال والأفعال السيئة، فقال: "إذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفثْ ولا يجهلْ، فإن امرُؤٌ شاتمه أو قاتله فليقلْ: إنِّي صائمٌ" (رواه البخاري ومسلم).

ثانيًا: حكم تأجيل المعاصي إلى بعد الإفطار

من يمتنع عن السب والشتم وسائر المعاصي أثناء النهار لا لأنه تائب، بل لأنه يعتبرها مفطرة أو لا يريد إفساد صيامه، ثم يعود إليها بعد الإفطار، فقد فوت على نفسه الحكمة العظيمة للصيام. وهذا يدل على أن امتناعه عن المعصية لم يكن بدافع التقوى، وإنما كان مؤقتًا، وكأنه ينتظر انتهاء وقت الامتناع عنها، وهذا ينافي حقيقة الصيام.

بل إن مثل هذا الشخص ينطبق عليه حديث النبي ﷺ: "رُبَّ صائمٍ حظُّهُ من صيامِهِ الجوعُ والعطشُ" (رواه أحمد). أي أن صيامه لم يكن له أثر على أخلاقه وسلوكه، فلم يحقق الغاية المرجوة منه.

ثالثًا: هل يؤثر هذا السلوك على صحة الصيام؟

من الناحية الفقهية، لا يبطل الصيام بسبب العودة إلى المعاصي بعد الإفطار، لكنه ينقص أجره وقد يحرم صاحبه من الفوائد الروحية للصيام. فالصيام المقبول هو الذي يُصلح صاحبه ويغير من سلوكياته، أما من يعود إلى المعاصي بمجرد غروب الشمس، فكأن صيامه كان مجرد عادة وليس عبادة.

رابعًا: نصيحة لمن يقع في هذا الأمر

ينبغي للمسلم أن يستغل رمضان في إصلاح نفسه، لا أن يجعل امتناعه عن الذنوب مؤقتًا، ثم يعود إليها كأنها دين مؤجل. فالحكمة من الصيام أن يكون تدريبًا على التقوى في كل الأوقات، لا مجرد ضبط للنفس في ساعات الصيام. فإذا كان الصائم يستطيع ترك المعاصي أثناء النهار، فهذا دليل على قدرته على تركها نهائيًا، فليجاهد نفسه حتى يكون صيامه سببًا في تحسن أخلاقه وسلوكه بعد رمضان أيضًا.

خاتمة

من يصوم عن المعاصي ويفطر عليها قد يكون قد أدى الصيام من الناحية الفقهية، لكنه لم يحقق الغاية الحقيقية منه، وقد يحرم من بركاته وثوابه العظيم. فالصيام فرصة عظيمة لتربية النفس وتطهير القلب، وليس مجرد امتناع مؤقت عن المعاصي. فعلينا أن نجعل رمضان نقطة تحول حقيقية، لا مجرد فترة التزام مؤقتة تنتهي بوقت الإفطار.