الصحة النفسية في زمن الحروب

كتب: د. محمود المنير

من منا لا يخاف ولا تعتريه مشاعر التوتر والقلق في زمن الحروب؟!

في أزمنة الحروب، لا تتصدع المدن وحدها، بل تتشقق خرائط النفس البشرية. هناك، في عمق النفس، تبدأ معركة صامتة لا تقل ضراوة عن أصوات القذائف والمسيرات والصواريخ وأصوات سقوط الشظايا. يتسلل الخوف دون استئذان، ويتمدد القلق حتى يحتل مساحات التفكير، ويغدو الإنسان وكأنه يعيش في حالة ترقّب دائم، لا يعرف متى سيسمع صوت صافرة الإنذار التالية. في هذا السياق، لا تعود الصحة النفسية ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء؛ وبث الثبات فيمن زوجتك وأطفالك الصغار، لأن من يفقد توازنه الداخلي، يفقد قدرته على الفهم، وعلى الاختيار، وعلى الاستمرار.

الحرب تعيد صياغة إدراكنا للعالم من حولنا. فجأة، يصبح الأمان فكرة هشة، والمستقبل احتمالًا غامضًا، والثقة في استقرار الأشياء مجرد وهم جميل يتبخر مع صافرات الإنذار المتتابعة وبيانات الداخلية بأخذ الاحتياطات. في هذه البيئة المتوترة والمليئة بالأخطار، تنمو المخاوف ككائنات خفية تتغذى على الغموض وكثرة الشائعات والتعميم وندرة المعلومات. الخوف الذي يتملكنا هنا ليس مجرد رد فعل عابر، بل حالة وجودية تضغط على الأعصاب وتعيد ترتيب أولويات الإنسان. يبدأ العقل في الانكماش نحو فكرة واحدة: النجاة، وكل ما عداها يصبح قابلًا للتأجيل، بل للتضحية.

ومع استمرار هذا الضغط، من المرجح أن يتحول القلق إلى حالة مزمنة، لا يرتبط بحدثٍ بعينه، بل يصبح الخلفية الثابتة لكل لحظة في زمن استمرار الحرب. تدفق الأخبار، ومشاهد القصف والدمار، والتكرار المستمر للتهديد، كلها تُبقي الإنسان في حالة استنفار دائم. في هذه الحالة، يفقد العقل قدرته على التمييز الهادئ، ويبدأ في تضخيم الأخطار وتقليص احتمالات الأمان. وهنا، لا تتأثر المشاعر فقط، بل يتشوش التفكير ذاته، ويغدو اتخاذ القرار عملية مثقلة بالارتباك.

في هذا المناخ المُربك، يتغير سلوك الإنسان دون أن يلحظ. قراراته تتأرجح بين اندفاعٍ غير محسوب، كمن يحاول الهروب من خطرٍ يطارده، وترددٍ مفرط، كأن كل خيار يحمل في داخله تهديدًا خفيًا. تتقلص فيها الرؤية المستقبلية، ويصبح التفكير محصورًا في اللحظة الراهنة. حتى القرارات البسيطة تتحول إلى عبء، لأن العقل لم يعد يعمل في بيئة مستقرة، بل في ساحة مضطربة تتداخل فيها المخاوف مع الوقائع.

لكن هذه الحالة، على قسوتها، وبعد تفكير عميق أدركت أنها ليست قدرًا نفسيًا محتومًا. فيمكن للإنسان أن يستعيد شيئًا من توازنه إذا تعامل مع واقعه بوعي عملي. أول ذلك أن يدرك أن الإفراط في استهلاك الأخبار لا يمنحه سيطرة، بل يستنزف طاقته. ليس المطلوب الانفصال عن الواقع، بل تنظيم العلاقة معه، بحيث يبقى مطلعًا دون أن يغرق في بحر متلاطم من الأخبار المزيفة والشائعات.

ثم تأتي خطوة أكثر عمقًا: إعادة بناء الشعور بالتحكم، ولو في حدوده الدنيا. في عالمٍ يتفلت من بين يديك، تصبح السيطرة على التفاصيل الصغيرة فعلًا استراتيجيًا. أن تنظم يومك، أن تحافظ على علاقة قوية بالمسجد وتحافظ على الأذكار والدعاء وأن تلتزم بمهامك، وأن تحافظ على مسؤولياتك -كل ذلك يعيد إلى نفسك إحساسها بالقدرة. الإنسان لا يحتاج إلى أن يسيطر على كل شيء، بل إلى أن يشعر أنه لم يفقد السيطرة على كل شيء.

ويغدو الروتين اليومي، في هذا السياق، أشبه بمرساةٍ نفسية. حين تتكرر بعض التفاصيل، يشعر العقل أن هناك نظامًا ما يزال قائمًا، وأن الحياة لم تتحول بالكامل إلى فوضى. هذه الاستمرارية البسيطة تمنح الإنسان قدرًا من الطمأنينة، حتى وإن كان العالم من حوله مضطربًا.

أما المشاعر، فإن كبتها في مثل هذه الظروف لا يلغيها، بل يضاعف أثرها. الخوف الذي لا يُعبَّر عنه يتحول إلى توترٍ مزمن، وقد ينفجر في لحظة ضعف. لذلك، يصبح التعبير عن المشاعر- بالحديث، أو الكتابة، أو حتى بالتأمل الصامت- وسيلة لحماية النفس، لا علامة على هشاشتها.

وفي خضم هذا كله، يقدّم لنا الاسلام بعدًا عميقًا في التعامل مع الخوف والقلق، بعدًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وما يحدث حوله. فالمؤمن لا يُطلب منه أن ينكر الخطر، ولا أن يتجاهل الأسباب، بل أن يوازن بين الأخذ بها، والتسليم بأن ما يجري إنما يجري بقدر الله. حين يرسخ في القلب أن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ينكسر جزء كبير من القلق المرتبط بالمجهول. هذا الفهم لا يلغي الحذر، بل يحرره من الهلع، ولا يعطل الفعل، بل ينقيه من الارتباك. وهنا تتحول الطمأنينة من حالة نفسية عابرة إلى يقين عميق بما قدره الله وهذا كفيل أن يضبط الانفعال، ويمنح القرار قدرًا من الاتزان حتى في أحلك الظروف.

وفي هذا التحول، تتغير أيضًا فكرة القوة. لم تعد القوة في التصلب الذي لا يتأثر، بل في القدرة على التماسك رغم التأثر. أن تعترف بالخوف دون أن تستسلم له، وأن تدرك هشاشتك دون أن تفقد اتجاهك. في هذا التوازن الدقيق، يولد نوع من القوة أكثر هدوءًا وعمقًا، قوة لا تمنع الألم، لكنها تمنع الانهيار.

فالحروب قد تعيد تشكيل خريطة العالم، لكنها لا تملك بالضرورة أن تعيد تشكيلك من الداخل إلا إذا سمحت لها بذلك. وبينما لا يملك الإنسان دائمًا تغيير ما يجري حوله، فإنه يملك، بوعيٍ وعقيدة، أن يمنع هذا الاضطراب من أن يتحول إلى فوضى داخلية دائمة. وهناك، في تلك المسافة الدقيقة بين الحدث واستجابتك له، تتحدد قدرتك الحقيقية على النجاة. في زمن الحروب والاضطرابات.