كتب: د. محمود المنير
عميد كلية الإعلام والعلاقات العامة – الجامعة الإسلامية – ولاية مينيسوتا
منذ أن ترسّخ مصطلحا الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي في الخطاب السينمائي العربي، ظلّ الفرق بينهما يبدو ظاهريًا وبسيطًا: هذا يُقال إنه واقع، وذاك يُقال إنه خيال. غير أن هذه الثنائية المريحة تخفي خلفها إشكالية أعمق، إشكالية تتعلق لا بالشكل فقط، بل بامتلاك الحقيقة، وبمن يملك حق سردها وتوجيهها. فالفارق الحقيقي بين الوثائقي والروائي لا يكمن في المادة المصوّرة، بل في موقع السلطة داخل الفيلم، وفي العلاقة غير المتكافئة بين الكاميرا والواقع.
الفيلم الروائي العربي، منذ نشأته، لم يُخفِ طبيعته بوصفه بناءً فنيًا. حتى حين اقترب من الواقع أو استلهم أحداثًا تاريخية، ظلّ يعترف ضمنيًا بأنه رؤية. أما الفيلم الوثائقي العربي، فقد حُمِّل منذ البداية عبئًا مضاعفًا: أن يكون شاهدًا، وممثلًا للحقيقة، وصوتًا لمن لا صوت له. وهنا تبدأ الإشكالية، لأن كل ادّعاء بالحقيقة يمنح الفيلم سلطة أخلاقية خطيرة، قد تتحول – دون وعي – إلى أداة توجيه لا تقل قوة عن أي خطاب سياسي مباشر.
لنأخذ مثالًا عربيًا واضحًا: الفيلم الوثائقي «5 كاميرات محطمة» (إخراج عماد برناط). الفيلم يُقدَّم بوصفه توثيقًا يوميًا لمقاومة قرية بلعين للجدار الفاصل. لا أحد يشكك في صدق التجربة، ولا في عدالة القضية، لكن الفيلم لا يقدّم الواقع كما هو، بل كما عاشه صاحبه. اختيار الكاميرات الخمس، ترتيب الأحداث، تركيز السرد على العائلة، كلها قرارات فنية واعية. الفيلم لا يكذب، لكنه يؤطر الحقيقة داخل تجربة ذاتية. هنا يتجلى الفرق الجوهري بين الوثائقي والروائي: الروائي يقول لك منذ البداية إنك داخل رؤية، بينما الوثائقي يتركك تكتشف ذلك لاحقًا.
في الوثائقي العربي، المعالجة غالبًا ما تُمارَس بوصفها ضرورة أخلاقية. المخرج يشعر أنه مسؤول عن تمثيل قضية، لا عن صناعة فيلم فقط. لكن هذه المسؤولية قد تنقلب إلى فخ. فيلم مثل «الميدان» عن ثورة يناير في مصر، قدّم سردية قوية ومؤثرة، لكنه في الوقت نفسه اختار زاوية واحدة من مشهد شديد التعقيد. لم يكن ذلك تزويرًا، بل اختيارًا. غير أن الاختيار، حين يُقدَّم بوصفه الصورة الكاملة، يصبح إشكاليًا. هنا تتجلى خطورة الوثائقي: ليس فيما يقول، بل فيما لا يقوله.
أما الفيلم الروائي، فلا يُحاسَب بالطريقة نفسها. لأنه لا يدّعي الإحاطة، ولا يقدّم نفسه بوصفه شهادة تاريخية. الروائي العربي، حين يتناول حدثًا سياسيًا أو اجتماعيًا، يسمح لنفسه بالرمز، بالتكثيف، بالاستعارة. ولذلك، فإن خطأه يُغتفر بوصفه حرية فنية، بينما يُدان الخطأ ذاته في الوثائقي بوصفه انحيازًا أو تضليلًا.
التصوير يكشف هذا الفارق بوضوح. في الوثائقي العربي، الكاميرا غالبًا محمولة، قريبة، مهتزّة، كأنها تقول للمشاهد: “أنا هنا، في قلب الحدث”. لكن هذه القرب الشديد قد يحجب الرؤية الأوسع. فيلم مثل «الطريق إلى كابول» أو وثائقيات الحرب في العراق وسوريا، كثيرًا ما تغرق في التفاصيل الإنسانية المؤلمة، لكنها تترك البنية السياسية خارج الكادر. الكاميرا هنا شاهد متورط، لا مراقب محايد.
في الفيلم الروائي، الكاميرا لا تدّعي الشهادة. تتحرك بحرية، تبني المعنى، وتخلق المسافة اللازمة للتأمل. لهذا السبب، قد يكون الروائي أحيانًا أكثر قدرة على تفكيك الواقع، بينما يظل الوثائقي أسيرًا له.
الشخصيات في الوثائقي العربي ليست شخصيات، بل بشر حقيقيون، وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا. حين نشاهد فيلمًا مثل «نساء بأقراط من بارود»، نحن لا نشاهد نماذج، بل حيوات مكشوفة أمام العدسة. السؤال الذي يظل معلقًا: هل نُمنح فرصة لفهم هؤلاء النساء، أم نُوجَّه لرؤيتهن داخل إطار مُسبق؟ الوثائقي هنا لا يختلق الشخصية، لكنه قد يعيد تعريفها دون إذنها.
في المقابل، الشخصيات الروائية، مهما بلغت قسوتها أو ضعفها، محمية بطبيعتها التخيلية. لا أحد يُحاسِب الفيلم لأنه استغل شخصية، لأنها لم توجد خارج الشاشة. هذا الفارق الأخلاقي يجعل الوثائقي حقل ألغام، بينما يظل الروائي مساحة مناورة.
الزمن بدوره يكشف جوهر الاختلاف. الوثائقي العربي يعاني غالبًا من ضغط الزمن السياسي. الأحداث تتلاحق، والواقع يتغير، والفيلم يُطالَب بأن يكون شهادة عاجلة. هذا يدفع المخرج إلى ضغط السنوات في دقائق، وتقديم سياق مكثف قد يفقد بعض طبقاته. الروائي، على العكس، يملك رفاهية التأمل، وإعادة بناء الزمن وفق منطق داخلي، لا وفق إلحاح الحدث.
وهنا نصل إلى الإشكالية الكبرى في تعريف الفيلمين داخل السياق العربي: الوثائقي يُطالَب بالحقيقة الكاملة، والروائي يُمنَح حق الكذب الجميل. لكن الحقيقة الكاملة وهم، والكذب الجميل قد يكون أصدق من ألف وثيقة ناقصة. لهذا، فإن الفرق الحقيقي بين الوثائقي والروائي ليس في قربهما من الواقع، بل في درجة الوعي بالسلطة السردية.
الفيلم الوثائقي العربي، حين يُنجز بوعي، يصبح أداة مقاومة معرفية، لا لأنه ينقل الواقع، بل لأنه يكشف آليات السيطرة عليه. وحين يُنجز بلا وعي، يتحول إلى إعادة إنتاج غير مقصودة للسردية ذاتها التي يدّعي معارضتها. أما الفيلم الروائي، فحين ينجح، يفعل ما لا يجرؤ عليه الوثائقي أحيانًا: يطرح السؤال دون أن يقدّم إجابة جاهزة.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الوثائقي والروائي كخصمين، بل كأداتين في معركة واحدة: معركة المعنى. الوثائقي يطالبنا بالتصديق، والروائي يطالبنا بالفهم. الأول يقول: "انظر"، والثاني يقول: "تأمل". وبين النظر والتأمل، تتشكل علاقتنا بالواقع.
السينما ليست مرآة، وليست حلمًا خالصًا. إنها إعادة ترتيب للعالم. ومن يفهم الفرق بين أن تُري الواقع، وأن تُعيد تفسيره، يدرك أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل هذا وثائقي أم روائي؟
بل: كيف ولمصلحة من تُروى الحكاية؟