فيلم تجربة سجن ستانفورد، هل الشر مقيد وقد يحرر بظرف؟

ماذا يُمكن أن نفعل كبشر عاديين؟ أي أنا وأنت وهي، ما الذي يُمكن حقاً أن يفعلهُ الإنسان بأخيه الإنسان؟ 

لطالما صدّعت رؤوسنا نشرات الأخبار وعناوينها بحوادث القتل والتعذيب المُمنهج، الناس ضدّ الناس، لكن كُل تلك الآلام كانت تحدث بمعظمها بين شعارٍ وشعار، أي بين فكرة وفكرة، صراع إنساني مرّات على السلطة وكثيرٌ من المرّات على المال وربما الموارد بحالة الدول، لكن ماذا عن ذلك الإنسان الذي يُحرّكه الشر بلا أيّ معنى؟ ذلك الشيطان الخالص؟ 

الشر لأجل الشر والسؤال الأهم والأفظع طبعاً: ماذا لو كان هذا الشرّ ساكنٌ فينا، مستوطنٌ بأحشائنا ويحتاجُ فقط ظروفاً مواتية ليخرج ويدمّر العالم ويهدم مملكة الإنسان وكرامته! هذا ما حاول الدكتور النفسي الشهير على مستوى العالم بدراسة علم نفس العنف الإنساني فيليب زيمباردو Philip Zimbardo أن يراقبه بعينٍ عن كَثب ولكن حاول أن تكون تلك العين هذه المرة ليست عيوناً للعلماء فقط، بل مشهداً سينمائياً مُرعباً لحلبة شرّ يقودها الإنسان العادي نحو غير العاديّ بالمرّة: نحو الشرّ بلا أيّ معنى. 

The Stanford prison experiment

يُعد من أشهر الأفلام الدرامية على الإطلاق، هو من انتاجات الـ 2015، حاكى الفيلم بطريقة وثائقية تمثيليّة لما حدثَ في تجربة جامعة ستانفورد عام 1971، حين صمم الدكتور فيليب زيمباردو سجناً مُصغراً يُحاكي منظر السجون العام، لكن هذا السجن كان تصميمه في قبو الجامعة وُخصص لهذه التجربة تحديداً، أُنتخب للموضوع كثير من الشُبّان، لم يكن المشاركين في التجربة اي معرفة سابقة في بعضهم، وقد وزعت عليهم أدوار الحرّاس والسجناء توزيعاً عشوائياً، ليكون هناك 11 حارس و10 سُجناء، أعطاهم الدكتور قواعد السجن الذي يُعمل بها عادةً تحت شعار القانون والحماية وأدخلهم في تجربة كان من المفروض أن تستمر ل شهرين مُتتاليين وهم بالداخل. 

دخلوا التجربة وبدأت رحلة المُراقبة النفسيّة للإنسان العاديّ حتى وهو تحت ظلّ القانون والرقابة النفسية. 

الدكتور فيليب زيمباردو حاول أن يجعل كُل شيء في السجن وتعليماته وشكله متطابقاً تماماً مع أجواء السجن الحقيقي، ما الذي يفعله الفيلم إذاً؟ هو يُحاكي بتمثيليّة هذه التجربة بطريقة وثائقية تسرد وقائع التجربة، التجربة التي استمرّت فقط لـ 6 أيام!  فهل يُمكنك حقاً تخيّل رهبة ورُعب ما صار؟ 

هذا بالضبط ما يفعله الفيلم الذي أدعو لمشاهدته، إنّهُ يحوّل الكلمات ويدمج مقاطع من التجربة الحقيقية لفيلم سينمائي يبلور العنف والفظائع الإنسانيّة التي يمكن أن تحدث بمجرّد تغيير الظروف المُحيطة للإنسان العادي! 

استندت التجربة أيضاً على كتاب the Lucifer effect أو بما يسمى أثر الشيطان وهو لذات الدكتور والذي لا يقل إثارة نهائياً عن الذي ستشاهده في ذلك الفيلم الذي يسجّل رحلة إنسان مدّتها 6 أيام مُوثّقة بساعتين سينمائيتين تشهدُ على الإنسان وهو يخلع عباءة إنسانيّته! 

الأن ومن مشاهداتك هل تذكر أفلام وثائقية أو درامية قامت بمحاكاة تجارب مشابهة على الإنسان؟ 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لم أشاهد الفلم، وظننت أنك ستقدم مراجعة له أو أي تفصيل عن الكتاب أو التجربة بشكل عام.

دعني أتخيل المشهد، ويمكنك الحكم على نظرتي للأمر.

لاشك أنّ السجناء بعد يوم أو يومين بدأوا يتصرفون وكأنهم سجناء وبدأوا بافتعال المشاكل والتعامل بشكل سيء مع الشرطة.

والعكس أيضًا، أي أنّ الشرطة يشعرون بالسيطرة والتحكم ويبدؤون بتطبيق عقدهم وأمراضهم على السجناء، وتبدأ حرب طاحنة بينهم، وهذا يبرر لماذا لم تكتمل التجربة مع أنه قرر وضعها لشهرين، ولم تستمر سوى ستة أيام.

يمكن القول أن السجن هو امتحان للفضيلة، لأن الأخلاق الحقيقية وسوية الانسان تظهر في هكذا مواقف وليس في الوضع العادي.

لم ولن أقدّم مراجعات قد تحرق عليكِ متعة مشاهدة الفيلم، غالباً ما أقوم أنا فقط بإثارة مزاج وسؤال الفيلم لجذب المُهتمين إليه.

الأمر لا يتمحور للحقيقة بما صار، إنما بكيف صار ولماذا صار وهذا الفيلم يُحمّل نفسه مسؤولية هذا الإشباع المعرفي والدرامي بخطّين متوازيين لا يتقاطعان فعلاً بالفيلم، إنّ ما يتحدّث عنه الفيلم والكتاب وصنّاعه ليس عن السجن والإنسانيّة للأمانة، إنّما عن قدرة الإنسان العادي على أن يكون غير عادياً بمجرّد تغيّر الظرف ويتحدثون أيضاً بأنّ الظرف قد يحوّل أكثر البشر ملائكة إلى شياطين حقيقيين وبمجرّد وقت قصير وكل ذلك عبر عملية نفسية وسيكولوجية معقدة أحياناً يُستكمل تحضيرها في بعض الأماكن من العالم لنرى فظائع إنسانيّة يندى لها الجبين لنسأل بعدها: هل من فعل هذا بشر؟

الفيلم وعالِمه يقولون، يجيبون علينا: نعم، وبشر عاديين مثلكم!.

لم أشاهد الفيلم لذلك سأحاول أن أتخيل مما تحكيه ما قد يقدمه لنا الفيلم. في البداية فهو ذكرني بكتاب تصادف أني اقرأه الآن وهو حيونة الإنسان الذي يحكي عن الأحداث المشابهة التي يخرج فيها الإنسان الوحش بداخله.

وبما أن لدينا هنا سجناء وأمناء سجن فسأقول أن كلمة السر هي السلطة فهي من ستتحكم فيما سيفعله الإنسان. سيبدأ أصحاب السلطة والقوة في استغلال سلطاتهم وقمع السجناء وبعدها سيتحول السجناء لمجتمع مقموع ينطبق عليه كل ما يمكن أن نقوله عن المقموعين الذين سيصبحون بدورهم قامعين وقتما تحين الفرصة. هل اقتربت مما حدث في الفيلم؟

إن كنت تحب التفسيرات الإجتماعية لهذه الظواهر فأرشح لك أيضًا هذا الكتاب بشدة

لقد أصبتِ الأن أمراً غاب عن بالي حين ذكرتي كتاب حيونة الإنسان للكاتب ممدوح عدوان، هذا كتاب رائع لكاتب أروع، لكن المهم أنني تذكّرت بأنّ الكاتب ممدوح عدوان تفطّن لهذا الأمر أيضاً ولسؤال الفيلم: هل يمكن أن يكون الشخص العاديّ عنيفاً بشكل مُرعب؟

تفطّن للأمر عبر كتاب آخر اسمه: جنون آخر. على ما أعتقد.

في هذا الكتاب قصّة يحكي فيها عن رحلة صيد عصافير بجانب بحيرة وأنّهُ كان عليه اصطياد عدة أفراخ من العصافير بغية التسلية ولكن بنيّة أكلها، المُهم وما أن أمسك الجفت وأطلق النار على واحد من العصافير ورأه يسقط في البحيرة التي لا يمكن أن يطولها هاجت كثير من العصافير فوق البحيرة وصار هو يضرب العصفور تلو الأخر فالأخر والأخر، أسقط الكثير من العصافير في تلك البحيرة، الكثير حتى أصابه الغثيان من الأمر والتفكير بهذا الموقف لمدّة طويلة، من الذي كان يُطلق النار؟ وما هذه النشوة التي دبّت فيّ أنا الإنسان العادي لكي أكون عدائياً إلى هذا الحد! ودون أي معنى لهذه العدائية.