معركة وادي اللبن، ملحمة تاريخية سطرت بأحرف من ذهب في سجلات المغرب، وقعت رحاها في شهر مارس من عام 1558م (حوالي 965 هـ)، في منطقة تيسة التابعة لإقليم تاونات، شمال مدينة فاس. كانت هذه المعركة بمثابة الفصل الأخير في سلسلة من المواجهات بين الدولة السعدية الفتية، بقيادة السلطان عبد الله الغالب، والقوات العثمانية الطامعة في بسط نفوذها على المغرب.

لم تكن مجرد صدفة أن اختار القدر وادي اللبن مسرحًا لهذا الصراع المصيري؛ فالموقع الاستراتيجي للوادي، بتضاريسه الوعرة وممراته الضيقة، شكل تحديًا كبيرًا للقوات العثمانية، التي اعتادت على القتال في السهول المفتوحة.

توالت الأحداث بسرعة، فبعد شهور قليلة من اغتيال السلطان محمد الشيخ السعدي، وجد عبد الله الغالب نفسه في مواجهة جيش عثماني جرار، يقوده حسن باشا بن خير الدين بربروسا، حاكم الجزائر آنذاك. كان العثمانيون يمنون النفس بضم المغرب إلى إمبراطوريتهم المترامية الأطراف، مستغلين حالة الضعف التي اعتقدوا أنها أصابت الدولة السعدية بعد اغتيال سلطانها.

لكن عبد الله الغالب، الشاب الطموح، أثبت أنه خير خلف لخير سلف، فقد استعد للمعركة بكل حزم وعزيمة، وجمع حوله جيشًا من المقاتلين الأشداء، الذين أقسموا على الدفاع عن أرضهم وكرامتهم.

بدأت المعركة بتبادل القصف المدفعي، ثم سرعان ما تحولت إلى اشتباكات عنيفة، حيث أظهر المقاتلون السعديون شجاعة وبسالة منقطعة النظير، مستغلين معرفتهم بتضاريس المنطقة لتكبيد العثمانيين خسائر فادحة.

استمرت المعركة لعدة أيام، كانت فيها الكفة تميل تارة إلى هذا الجانب وتارة إلى ذاك، لكن في النهاية، حسمت إرادة المغاربة المعركة لصالحهم، وتقهقر العثمانيون مهزومين، تاركين خلفهم قتلاهم وجرحاهم.

لم تكن معركة وادي اللبن مجرد انتصار عسكري، بل كانت انتصارًا للإرادة الوطنية، وتأكيدًا على قدرة المغاربة على الدفاع عن أرضهم وسيادتهم. لقد وضعت هذه المعركة حدًا لأطماع العثمانيين في المغرب، وأثبتت لهم أن المغاربة ليسوا لقمة سائغة.

لقد كانت معركة وادي اللبن صفحة مشرقة في تاريخ المغرب، ستبقى شاهدة على شجاعة وبسالة المغاربة، وتضحياتهم من أجل الحفاظ على وطنهم حرا أبيا.