اللّٰهُ لطيفٌ بعِبادِه

عندما تضيقُ بك من كلِ جانبٍ فتذكر عدةَ أشياءَ هامة، أولها أنك وإن كنتَ وحدَك فأنت بهِمَّتكَ أُمة، قبلها عليك اليقينُ أنك تنتمي لخالقٍ عظيمٍ رحيم، لا يغفلُ عن حاجتكَ ولا ينام، سبحانه الحنانُ المنان، لطيفٌ بعبادهِ لا يتركُ ولا يخذلُ ولا يتخلى، وتذكر أشياءَ ضروريةً هامة، ثوابتَ تعينكَ على المضيِ في دربكَ دونَ قلق..

فاللّٰه سبحانهُ آدمَ من طينٍ قد خلق، ثم علمهُ ما جهلَ عنه الآخرون، فسجدَ لهُ الملائكةُ أجمعون، قادرٌ على أن يعلمكَ بعدَ جهل، ويأخذَ بيدكَ على مهل، ويسببَ لكَ الأسبابَ بحكمةٍ تفوقُ تصورك، تجعلكَ تخرجُ من ضيقِ يأسكَ إلى مفترقِ طرق، تؤدي بكَ إلى الفرج، فلا بأسَ إن تأخرَ النصرُ فمعَ العسرِ يأتي اليسر..

وتذكر أن الإلهَ كريمٌ يغفرُ ويعفو عن عبدهِ اللئيم، فلا تجزع إن أذنبتَ أنت، فأبو البشريةِ قد سبقك، فأكلَ من الشجرةِ رغمَ منعه، فَقُبِلَت توبتهُ بعدَ دمعه، فألجأ للهِ في كلِ أمرٍ مهما كان، فوحدهُ يستجيبُ للدعاء، ويرى صلاتكَ والرجاء..

وإن نسيتَ أباك فتذكر نبيَ اللهِ نوحاً، إذ أنجاهُ ربهُ ومن آمنَ في السفينة، فحَوَّلَ الصحراءَ إلى بحر، هي قدرةُ اللهِ لا سحر، وأغرقَ الكافرَ في النهاية، فلا تجزع إن ظُلمتَ بالبداية، المهمُ أن تثبتَ كالجوديِ تماماً كسفينةِ أبيكَ النبي، وألجأ إلى اللهِ بالدعاء تُفتح لكَ أبوابُ السماء..

وإن تاهت عنك فتذكر عليهما السلام، أنبياءَ اللهِ صالحاً وهودا لقومهما عادٍ وثمودَ، قد بعثَ اللهُ على قومهما العذاب، سبحانهُ وحدهُ مسببُ الأسباب، فجِد لنفسكَ في كلِ قصةٍ عظة، لعلكَ تخرجُ منها بموعظة..

وعليكَ بأبي الأنبياءِ إبراهيمَ، عليهِ السلامُ الأوّاه الحليم، تذكر كيفَ نجاهُ اللهُ من العذاب، فأخرجهُ معافىً سليم من نارٍ عظيمةٍ كالجحيم، ثم غفرَ لهُ أنهُ نسيَ إذ قالَ كيفَ يا إلهي الموتى تحيي، مباشرةً بعدَ أن نجا من الهلاك، لتفطنَ لطبيعةِ الإنسان، إذ أنهُ للنعمِ كثيرُ النسيان، واستغفر وعد إلى الغفورِ ولتكونَ عبداً أوّاهًا شكوراً..

والذبيحُ إسماعيلُ عليهِ السلامُ لا تنساهُ، إذ أخبرهُ أبوهُ بحُكمِ اللّٰهُ، فلم يفكر عليهِ السلامُ لحظة، مسرعاً أسندَ رأسهُ للصخرة، ففداهُ سبحانهُ بكبشٍ عظيم، وهذا جزاءُ كلِ عبدٍ قد أطاعَ، لأمرهِ تعالى وأنصاع، فعليكَ بسرعةِ الاستجابةِ لأمرِ خالقك، تأتكَ سرعةُ الإجابةِ لمطالبك..

ومن قصةِ نبيِ اللهِ لوطٍ تجد، أنهُ كانَ لركنِ ربِ العالمينَ يستند، فغفلَ قائلاً يا ليتَ لركنٍ شديدٍ قد آويت، فذكرهُ اللّٰهُ إذ نسى، ونجاهُ ومن آمنَ من المؤمنين، من حجارةٍ عظيمةٍ من سجّيل..

فلا تغفل أنك لركنٍ متينٍ تستند، ومن يأوي إلى ملكِ الملوكِ لا يمتعض، فعندهُ كلُ الأشياءِ مقضية، وإن كانت على البشريةِ مستعصية..

ومروراً بنبيِ اللهِ شعيبٍ تفهمُ أن المطففينَ ليسوا من المؤمنينَ بربِ العالمين، فلا تعثَ في الأرضِ كالمفسدين، والزمِ الحقَ ولا تحِد، عن تعاليمِ دينِ اللهِ لا تبتعد..

ثم نبيُ اللهِ يوسفُ الصدّيق، وتعلم من حياتهِ الكثيرَ والكثير، فاكتمِ النعمَ عن الحقودِ الحسود، وإياكَ من الفاحشةِ فإنها خرابٌ للقلبِ والجسد، ثم اصبر على ما أصابكَ من بلاء، وإن سُجنتَ ظلماً وافتراء، ولا تشكُ للناسِ حزنك، وألجأ بجزعكَ وهمكَ إلى ربك، تماماً كأبيهِ النبيِ يعقوب، وتعلم أنك إن للهِ اتقيتَ تجد نفسكَ بالخيرِ قد جُزيت، والحقوقُ لأصحابها عائدةٌ لا محالة، فالحياةُ يا بني صبرُ ساعة..

ونبيُ اللهِ أيوبُ الصبور، ضاعَ منهُ المالُ والعيالُ وابتليَ بالمرض، وتساقطَ الجلدُ عنه من شدةِ التعب، فما يئسَ من رحمةِ اللهِ وما قنط، وبقيَ يدعو اللهَ دهراً، فعوضهُ جل جلالهُ خيراً، فبعدَ الصبرِ حتماً يأتكَ أجر، فقدرُ اللهِ في كلِ حالٍ ماضٍ؛ إن صبرتَ وإن قنطتَ وجلستَ غيرَ راضٍ، فالأولى بكَ التصبرُ في البلاءِ فيتضاعفُ أجرُكَ بيقينكَ وصبرك..

وبالطبعِ نبيُ اللهِ يونسُ تعرفه، قد تعجلَ أن حقهُ قومهُ لم يعرفوا، فتركَ البلادَ والعباد، وسارَ بدونِ أمرِ اللهِ فعاقبهُ أن ابتلعهُ الحوتُ فألزمهُ التسبيح، فاستجابَ فقد صدقَ اللهُ توبته، فلتعرف أنك لنفسكَ تظلمُ إن أنتَ عن أمرِ اللهِ تحجمُ..

ثم يأتيكَ كليمُ الرحمنِ موسى عليهِ السلام، نجاهُ اللهُ من القتلِ في صباه، سبحانهُ وتعالى في بيتِ عدوهِ رباه، ثم قتلَ نفساً بغيرِ نفسٍ فاستجابَ ربهُ لتوبتهِ إذ أَنَابَ وصدق، ثم عادَ نبياً بعدَ غياب، فشدَّ اللهُ عضدهُ بأخيه، وأيده بشواهدهِ والمعجزات، ما أعظمهُ ربُ الأرضِ والسموات! فالـعصا إلى الثعبانِ متحولة، واليدُ المضيئةُ المستنيرة، والجرادُ والقُملُ والطوفان، والضفادعُ والدمُ من معجزاته العظام، ثم شقَ لهُ اللهُ البحرَ باليقينِ فسارَ بهِ دونَ قلق، وكلُ ظالمٍ تبعهُ فيهِ غرق، فعامل ربك باليقينِ يعاملك بالاستجابة، وتب من ذنبكَ مهما كان، فربك الرحيمُ الرحمن، سبحانه منه وإليه السلام..

ونبيُ اللهِ داوودُ لا ننساه، قد علمهُ اللهُ ما لم يعلم، فالحديدُ بيديهِ يشكلهُ كيفَ يريد، ويسبحُ معه الجبالُ والطيرُ في الأفقِ البعيد، ورغمَ ذنبهِ بالتسرعِ في الحكمِ إلا أنهُ أسرع بالسجود، فتقبلَ ربهُ برحمتهِ الواسعة، فلا تنسَى نعمَ اللهِ عليكَ الكثيرة، صغيرةً كانت أو كبيرة، ولا تأخذك الجلالةُ بالعلمِ مهما بلغت، ولا تتسرع في إطلاقِ الأحكامِ ففي العجلةِ الندامةُ يا غلام..

ثم ابنُ نبيِ اللهِ داوود سليمان، عليهما الصلاةُ والسلام، قد وهبهُ سبحانهُ لغيرهِ ما لم يهب، فالجنُ والإنسُ كلاهما لهُ وُجِد، هذا يطيرُ في السماء، وهذا يغوصُ في الماء، لغةَ الطيرِ والحيوانِ تكلم، والجوهرَ والمالَ جمع، ومنّ عليهِ الخالقُ بكلِ شيءٍ فشكر، وعرفَ أنهُ مهما بلغَ من النعمِ والمعرفة، فكلهُ منسوبٌ للّٰهِ في الأصلِ والصِفة..

ثم رفعِ عيسى عليهِ السلام، فربك وحدهُ عظيمُ الشأن، كلُ من سواه بلا قيمة، وهذهِ الحقيقةُ الوحيدة..

وتأتي معجزاتُ خيرِ البريةِ محمدٍ ﷺ سيدِ البشرية، كانَ أمياً فجاءهُ القرآنُ معجزة، في الغارِ لم يرهُ الكفار، وخيلُ سراقةَ بنِ مالكٍ قد غَرَسَ بعدَ أن أرادَ بالجائزةِ أن يفز، لكنهُ فازَ بما هو أعظم، بالإسلامِ في البدايةِ التحق، ثم بالنهايةِ سوارُ كسرى قد ملك، عن وعدٍ قطعهُ الصادقُ الأمين، ثم تلك الأمةُ العظيمة، من دارِ الأرقمِ قد خرجت إلينا، ثم من مكةَ إلى المدينةِ هجرةُ خاتمِ المرسلين، والقرآنُ خيرُ المعجزاتِ يحدثك، عن ما ماضيكَ وما يأتيك يُفطنُك، فوعدهُ سبحانهُ مكتوب، إن اللهَ معَ الصابرين، ولنبيهِ فتحَ فتحاً مبينا، وأن للصابرينَ أجراً عظيما، وأنهُ لا يضيعُ أجرَ المحسنين، وأن العسرَ يصحبهُ يسر، فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ونهايةُ الحِجْر هي بدايةُ النَحْل، انظر لتعرفَ قدرَ خالقك، من اهتمَ بأمرِ نملةٍ في الصحراءِ في ليلةٍ ظلماءَ فوقَ صخرةٍ صمّاء، كيفَ بهِ أن يغفلَ عن حاجتكَ أنت، وقد توجهتَ لهُ بلا تردد دعوت، فلا تجزع فإنهُ قريب، يجيبُ دعوةَ الداعي إذا دعا، وإذا قضى لشيءٍ أمراً، فعليّهِ فقط أن يقول، كُن فيكون، سبحانهُ ربُ الحركةِ والسكون، ربُ الألفِ والميمِ واللامِ والنون، رحيمٌ بالعبدِ أكثرَ من أمهِ الحنون، فاطلب حاجتكَ دونَ خجل، واقدم عليه دون وجل، وتيقن أن اللهَ يستمعُ للعبدِ مهما بلغت ذنوبه إذا صدقَ في توبتهِ والندم، فلا قبلهُ أحدٌ ولا بعدهُ أحد، سبحانهُ وتعالى فردٌ صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن لهُ كفؤاً أحد..

والحكمُ والمواعظُ كَثيرة، عليكَ أن تبحثَ بلا حيرة، تجدِ اللهَ في العظيمِ والبسيط، فخذهُ صاحباً في كلِ طريق، فلا صاحبَ عن خالقكَ يغنيك، ولا أحدَ من عذابهِ ينجيكَ إن ظلمت، ولا من رحمتهِ يحرمكَ إن أنتَ عدت، بابُ اللهِ دائماً مفتوح، لكَ ولي وللجميع، سبحانه.

﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون﴾.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش