في صغرنا كنا نتذمر من نمط الحياة، ومن نوع الطعام، وحتى من القواعد التي كانت ترسم تفاصيل أيامنا. كنا نتمرد، نثير الفوضى، ونحلم بحياة مختلفة، معتقدين أن الحرية تكمن في كسر كل ما اعتدناه. لكن ما إن تتقدم بنا السنون حتى نفاجأ بأننا نسير في الدروب نفسها، ونحافظ على القواعد ذاتها، ونشتاق إلى الأطعمة التي كنا ننفر منها.

فهل هو الحنين؟ أم أن الإنسان يحمل في أعماقه ذاكرة خفية تعيده، كلما تقدم به العمر، إلى الجذور التي حاول يومًا الهروب منها؟ أم أنه عناد الطفولة الذي كان يرفض كل ما هو متاح، ويتطلع دائمًا إلى ما ليس له؟

ولعل الحياة كلها تشبه ذلك. كم من شخص حافظ على شيء، ورعاه، ودافع عنه، وهو يعلم أو لا يعلم أنه في النهاية سيؤول إلى غيره. نبني، ونزرع، ونعتني، ثم ترسو السفينة بعيدًا عنا، في مرافئ لم نكن جزءًا منها.

وفي رحلتنا نلتقي وجوهًا كثيرة، ثم تمضي. يحل أصدقاء مكان أصدقاء، ويصبح لنا أهل من خارج أهلنا، ووطن يحتضننا غير الوطن الذي ولدنا فيه. نطوي صفحات كاملة بمن فيها، كما نطوي قصة مصورة بعد الانتهاء من قراءتها، ثم نتركها خلفنا. قد يأتي من يحتفظ بها لأنها تعنيه، وقد تقع في يد من لا يرى فيها سوى ورق يمسح به زجاج نافذته، فتمنحه رؤية أوضح للعالم.

هكذا هي الحياة؛ قيمة الأشياء لا تكمن فيها وحدها، بل في العين التي تنظر إليها، وفي القلب الذي يمنحها معناها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش