حين نكون في قلب الحدث، نظن أننا نراه كاملًا، بينما نحن في الحقيقة لا نرى سوى اللحظة وضجيجها. نعيش التفاصيل بحرارتها، لكن المعنى الحقيقي يظل مختبئًا خلف ستار الزمن، فلا ينكشف إلا عندما نبتعد، وتهدأ العاصفة، ويصبح الحدث ذكرى تتآكل أطرافها ببطء.

عندها فقط نكتشف أننا لم نكن سوى وجوه عابرة في مشهد كبير، أشبه بلافتات تُرفع في المسيرات ثم تُلقى جانبًا بعد انتهاء الهتاف، أو كأرقام تُستعمل للحظة ثم يبتلعها النسيان. وما أقسى أن يدرك الإنسان متأخرًا أنه كان جزءًا من لعبة لم يفهم قوانينها إلا بعد النهاية.

ومع مرور الوقت، يعود الماضي متخفيًا في هيئة كلمات عابرة أو أشخاص صادفوا الحدث من الداخل، فيملؤون الفراغات دون قصد، ويزيحون الغبار عن حقائق ظنناها يومًا مكتملة. فالماضي لا يرحل تمامًا، بل يظل ساكنًا في الظل، ينتظر لحظة مناسبة ليكشف أسراره، وغالبًا ما تأتي تلك الأسرار مثقلة بالخذلان.

والزمن وحده يملك قدرة إسقاط الأحكام؛ فما بدا واضحًا بالأمس يصبح غامضًا اليوم، وما حسبناه حقيقة مطلقة يتشقق مع الأيام كزجاج هشّ تحت وطأة الوعي.

والأغرب أن بعض الأحداث تأتي دائمًا في مواعيدها، كأنها طقوس حزينة تتكرر بلا رحمة. ففي الشتاء، ورغم التحذيرات، تموت عائلات كاملة اختناقًا، وفي الصيف تخرج أخبار الغرقى من كل الجهات، حتى من أكثر الأماكن أمانًا. وكأن الإنسان، مهما تعلّم، يبقى عاجزًا أمام قدر يكرر مآسيه بالطريقة نفسها.

ومع ذلك، يبقى للحدث المفاجئ وجه آخر أقل قسوة؛ فهو يسقط الأقنعة دفعة واحدة، ويكشف الوجوه الحقيقية التي أخفتها العادة والمصلحة، ويعرّي القلوب أمام حقيقتها. ففي لحظات الارتباك الكبرى، لا أحد يستطيع التمثيل طويلًا، ويظهر الإنسان كما هو، بلا زينة ولا أقنعة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش