في بعض الأحيان ينتابنا شعور غريب، فنظن أننا مررنا من هذا المكان من قبل، أو أن هذا الحدث قد حدث لنا سابقًا، وكأننا نعيد مشاهدة مشهد من فيلم قديم. نحن لا نتنبأ بالمستقبل، ولم نزر ذلك المكان من قبل، ولا نعيش المشهد نفسه مرة أخرى، وإنما يوجد رابط خفي بين ما نراه الآن وبين شيء دفين في ذاكرتنا.

حدث معي ذلك عندما كنت أسير في الشارع الذي أسكن فيه حديثًا، فساورني إحساس قوي بأنني مررت من هنا من قبل، رغم يقيني بأن قدمي لم تطآ هذا الحي الشعبي في أي وقت سابق، ولم أزر هذه المنطقة قط. ظل الجواب غامضًا إلى أن عثرت على صورة قديمة التُقطت لي قبل ستة وأربعين عامًا، كنت أقف فيها تحت كرمة عنب. حينها أدركت أن الرابط بين ذلك الشارع وبيني كان الكرمة التي تنمو في بدايته، والتي أيقظت في أعماقي صورة الكرمة المحفوظة في ذاكرتي منذ الطفولة.

لعل منظر الكرمة أعاد إلى ذهني شيئًا من براءة تلك السنوات، فأوهم العقل بأنه يعرف المكان، بينما كان في الحقيقة يستحضر زمنًا مضى، زمنًا يتمنى معظم الناس العودة إليه.

حتى الأحلام، في كثير من الأحيان، ليست سوى أمنيات لم تتحقق، أو أشخاص تمنينا لقاءهم، أو آخرين تمنينا غيابهم في مرحلة من مراحل حياتنا. إن العقل لا يتوقف عن ربط الحاضر بالماضي، وعن ملء الفراغات بما يحتفظ به من صور ومشاعر.

تبقى الصدف هي التي تكمل تلك الحلقات الناقصة في ذاكرتنا، ويبقى لكل واحد منا فراغ، أو حلقة مفقودة، تنتظر صدفتها الخاصة حتى تكتمل، وتمحو ما بقي في النفس من علامات استفهام.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش