تلك الكلمات التي تتناثر من أنامل تُعطّر الصفحات بمداد من الحبر وكأنه يسقي مواطن الجفاف في الفؤاد؛ حتى يعود فيه شيء من الحياة بعد أن صار خرِبا!

جلسات في أحضان الطبيعة يعيد المرء فيها ترتيب نفسيته، أفكاره وأولوياته...

فذاك عصفور غرّيدٌ يحكي حكايته بترانيم تُطرب الآذان، وتلك أغصانٌ مُخضرّةٌ تتباهى برونقها الأخّاذ، وهناك تتراقص تلك الأزهار المتفتحة التي تتمايل تارة طربا من زقزقات العصافير، وتارة أخرى من نسماتِ الهواء العليل الذي يزيد المكان حُسنا وجمالا.

وفي وسط هذا المشهد الذي لا تملُّ النفس منه، تشُقُّ هاته العبارات طريقها عبر الفؤاد ليجسدها القلم بحروف من حبر تُخط على صفحات كانت بيضاء ذاك البياض الناصع قبل أن تطالها سطوة الكلمات!

وكأنه متنفس الروح لتحكي ما بداخلها بعبارات لا تفنى ما بقيت حية بين الناس تنثر أريجها الفوّاح وعبقها الطيّب الزكي، فتخرج من هذه الفسحة نشطة وكأنها لم تتعب يوما، وقائمةً وكأنها لم تسقط يوما، و معافاة وكأنها لم تُجرح يوما...

فكيف لجسد أن يحيا دون روح، وكيف لروح أن تحيا دون أن تحكي ما في جعبتها من أشجان وآهات جعلتها مغرقة في الجراح التي لا تندمل، وإن اندمل بعضها ترك ندوبا لا يقدر الزمن على محوها أو نسيانها.

ليست مجرد حروفٍ تُخط، بل هي كلمات، تعابير، خواطر...، تحكي الكثير من الأفراح والأتراح؛ المسرات والأحزان؛ الرخاء والضائقات...

هي فضاء لا يضيق على صاحبه وإن ضاقت عليه دنياه بما رحبت؛ وجد مُتنفسه في أحضان التعابير والكلمات.