ما لم يقل بعد/الاب

كان قاسيًا، عصبيَّ المزاج، كأن الغضب اتخذ من ملامحه مقامًا دائمًا.

نظرته لا تُحدّق بقدر ما تُصيب، توقظ الخوف في موضعه قبل أن يُنطق، وصوته العالي لم يكن مجرّد ارتفاع نبرة، بل سلطةً قائمة، وإنذارًا مبكرًا بأن الصمت أَولى من النجاة. في حضرته تعلّمتُ فنّ التقلّص؛ أن أُصغّر نفسي حتى لا أُرى، وأن أختصر كلماتي خشية أن تُخطئ التوقيت. لم تكن قسوته طارئةً ثم تزول، بل نهجًا يتكرّس يومًا بعد يوم في الداخل. كبرتُ وأنا أُنصت لما لا يُقال، وأُهذّب ملامحي قبل كلماتي، وأتهيّأ للغضب كما يُتهيّأ للمطر في فصلٍ لا يُخلف وعده. غدا الخوف حاسةً زائدة، أستبق بها اللحظة قبل وقوعها، وأقرأ بها تقلّبات المزاج كما يقرأ البحّار حركة الريح. ولم أعد بحاجة إلى حضوره كي أرتبك؛ صار صوته مقيمًا في داخلي، يرتفع عند الخطأ، ويأمرني بالصمت حتى في غيابه.

هل مرّ بك شعور بالخوف أو الصمت القسري أمام أحد من أقاربك في طفولتك؟ وكيف أثر ذلك على تصرفاتك فيما بعد؟

ادم اليزني

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بعض.....ما لم يقل بعد

raghd_agaafar أضف ردا

كان أبي أيضًا.

كان عصبيًا إلى أبعد حد.

مستعد أن يدفع الطعام بعيدًا بيده بعد دقيقة من تقديمه من شدة عصبيته.

ورغم كل شيء، كنت أحبه.

لأنه كان يصالحنا لاحقًا.

لا يقول آسف.

ولكنه قد يشتري لنا فاكهة مثلًا، ويتحجج بكونها مفيدة لصحتنا.

أحيانًا لا يكون الغضب نقيض الحب،

بل شكله الأكثر ارتباكًا.

التربية أحياناً تزرع خوف عميق، لا تستطيع أن تتخلص منه إلا بصعوبة.. هذا النوع من الآباء له تأثيره السلبي على الإنسان بقية حياته.

هناك أب أعرفه يبدو قاسياً جدا ودائم الغضب، وبالفعل هذا له تأثيره على نفسية أبناءه، لكن في المشكلات التي تواجه أبناءه وأي ضرر يهددهم يتحول لفدائي بإمكانه الموت من أجلهم.

هذا يجعلنا لا نقسوا على هذا الأب ومن مثله فهو في الأخير بشر له صفات كثيرة منها الجيد والسيء، وأعتقد أن كل أب مهما بدا قاسياً بداخله شيء قادر إذا وعيه الأبناء أن يتصالحوا مع كل الأخطاء التي عملها معهم

نعم… الأذى حقيقي،

لكن الإنسان ليس خطأً واحدًا.

حاولت في النص أن أكتب هذا التمزّق، لا أن أبرّره.

هل يتحول صوت الأب يومًا إلى ضمير… أم يبقى خوفًا متنكرًا؟