صناعة السيارات تعد واحدة من أهم الصناعات التي تعكس قوة اقتصادية الدول وقدرتها على التطور التكنولوجي والتصنيعي. رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها مصر، إلا أنها تحتل المرتبة التاسعة في إفريقيا في هذه الصناعة، في حين أن المغرب تتصدر القائمة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي العوامل التي جعلت مصر تتأخر في هذا المجال، بينما استطاعت دول أخرى مثل المغرب تحقيق تقدم هائل؟ خصوصأ وأن بين مركز مصر ومركز المغرب هنالك دول إفريقية اقتصاديًا ليست بقوة مصر, باستثناء جنوب إفريقيا التي تحتل المركز الثاني بعد المغرب.
لماذا مصر متأخرة في صناعة السيارات بينما تتصدر المغرب؟
التعليقات
موقع المغرب الجغرافي بجوار الدول الأوروبية وهذا يجعلها وجهة مفضلة للشركات التي ترغب في تقليل تكاليف النقل والوقت المستغرق للوصول إلى الأسواق الأوروبية. كذلك المغرب نجح في توفير بيئة استثمارية جذابة للشركات العالمية، مثل رينو وبيجو، من خلال سياسات حكومية داعمة، تسهيلات في الضرائب، وتشريعات مُحفزة للمستثمرين الأجانب وتفعل مثلها حاليا البحرين. ولكن في المقابل، تواجه مصر تحديات تنظيمية وبيروقراطية تؤثر على جذب الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع تحديدا
في الواقع الموضوع متشعب وفيه العديد من العوامل المؤثرة، لكن أظن أحد العوامل المهمة يكمن في أن الصناعة المحلية للسيارات في مصر كانت تميل أكثر نحو التجميع وليس التصنيع الكامل، مما قلل من نسبة القيمة المضافة المحلية وأدى إلى اعتمادها بشكل أكبر على استيراد المكونات من الخارج.
المغرب ركزت على التصنيع المحلي مع تزايد نسبة المكونات المحلية في السيارات المنتجة، مما زاد من القيمة المضافة ورفع جاذبية المغرب كقاعدة للتصنيع المتكامل.
.
نقطة مهمة، والغريب أن مصر لم تستيقظ لهذا القطاع إلا مؤخرًا حيث انه اصبح ضمن مستهدفات الدولة لزيادة مواردها. أن تأتي متأخرًا خير من إلا تأتي ابدًا. ولكن مصر اضاعت فرص كبيرة جداً في هذا القطاع، وكان يمكن أن يصبح احد موارد مصر الكبري للعملة الصعبة. وكما ذكرت في تعليق سابق، فإن هذا القطاع يدر للمغرب ب٦ مليار دولار مقارنة ب٦ مليون دولار لمصر. الفرق مرعب. ولنضع في الاعتبار أن قناة السويس وهي احد مصادر مصر الرئيسية للعملة الصعبة متوسط إيرادتها في السنوات الاخيرة من ٦ إلي ٩ مليار دولار.
صناعة السيارات ليست مجرد “مصانع”، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على خلق بيئة صناعية مستقرة وجذابة. وهنا يظهر الفرق الكبير بين المغرب ومصر.
مصر تملك سوقًا ضخمة وموارد بشرية أكبر من المغرب، لكنها تأخرت لأن أغلب استراتيجيتها اعتمدت لسنوات على “تجميع السيارات” بدل بناء منظومة تصنيع متكاملة. بمعنى آخر: استيراد القطع وتركيبها محليًا، دون تطوير شبكة قوية من الموردين والصناعات المرتبطة بالقطاع.
في المقابل، المغرب اشتغل بعقلية مختلفة تمامًا.
الرباط لم تستهدف فقط بيع السيارات داخل السوق المحلية، بل أرادت تحويل البلاد إلى منصة تصدير عالمية نحو أوروبا وإفريقيا. لهذا استثمرت بقوة في:
- ميناء طنجة المتوسط.
- المناطق الصناعية المرتبطة بالموانئ.
- التكوين المهني المتخصص.
- الاستقرار الضريبي والقانوني.
- جذب الشركات المصنعة وموردي القطع معًا.
وهذا ما جعل شركات مثل رونو وستيلانتيس تعتبر المغرب قاعدة إنتاج حقيقية، وليس مجرد ورشة تركيب.
المشكلة الكبرى في مصر كانت أيضًا عدم الاستقرار الاقتصادي والنقدي. شركات السيارات تحتاج رؤية طويلة المدى، بينما تغيرات العملة والقيود على الاستيراد والبيروقراطية خلقت حالة تردد لدى المستثمرين.
اللافت أن بعض الدول الإفريقية التي سبقت مصر ليست أقوى اقتصاديًا، لكن لديها سياسات أوضح وأسرع تنفيذًا. لأن صناعة السيارات لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد، بل على جودة الإدارة الصناعية واللوجستية.
باختصار:
المغرب نجح لأنه تعامل مع القطاع كمشروع دولة استراتيجي، بينما مصر ظلت لسنوات تتعامل معه كقطاع تجاري أكثر من كونه مشروعًا صناعيًا سياديًا.
ولمن يريد فهم كيف تحول المغرب إلى القوة الأولى إفريقيًا في صناعة السيارات خلال فترة قصيرة، فهذا المقال يشرح الصورة بشكل أعمق: