جريدة: Le Quotidien D’Oran
الكاتب: مصطفى أغون
الخميس 27 أغسطس 2026
من الغناء إلى النشاز
في الماضي القريب، كان الغناء يعني في المقام الأول القدرة على التعبير.
لم يكن الصوت كافياً: كان لا بد من وجود كلمات، ولحن، وعاطفة، وشيء ما يُنقل. في الجزائر كما في كل أنحاء الشرق، كان الغناء غالبًا لقاءً بين الشعر والموسيقى، بين جمال الصوت وعمق النص. لم نكن نستمع إلى أغنية فحسب: كنا ندخل في قصة، في حزن، في حب، في منفى، وأحيانًا حتى في ذكرى.
يكفي أن نفكر في أم كلثوم. كانت قادرة على تكرار الجملة نفسها مرارًا وتكرارًا دون أن تعطي أبدًا انطباعًا بأنها تكرر نفس الجملة. لأن كل كلمة كان لها وزنها، وكل صمت كان له سببه، وكل نغمة كان لها عاطفتها. لم يكن صوتها يسعى إلى ملء الصمت: بل كانت تعرف كيف تسكنه. أما بالنسبة لفيروز، فكانت بضع كلمات تكفي أحيانًا لإحياء بلد بأكمله، أو منزل، أو جبل، أو ذكرى طفولة، أو ألم المنفى الخفي. لم يكن هناك شيء مصطنع. كانت العاطفة تنبع بشكل طبيعي، كنور يدخل من نافذة مفتوحة قليلاً.
في بلادنا، كم من الأصوات استطاعت أن تمنح كرامة هائلة لأبسط المشاعر؟ كان الشيخ الحسناوي يغني عن الترحال والاقتلاع من الجذور بشعر قبائلي يتسم بجدية التجارب المعاشة. أما أحمد وهبي وبلاوي هواري فقد أضفيا على الأغنية الوهرانية أناقة شعبية كان للكلمات فيها مكانها، ولم يكن اللحن وسيلة لإخفاء الفراغ. وقد حملت وردة الأغنية العربية بقوة وحساسية لم تكن تستند إلى الحيل. أما المغني إدير، الأقرب إلينا، فقد نقل اللغة الأمازيغية إلى ما وراء حدودها، بتلك البساطة النادرة التي يتمتع بها الفنانون الذين لا يحتاجون أبدًا إلى الصراخ ليُسمع صوتهم.
ربما كانت هذه هي القوة الحقيقية لتلك الأغاني: أنها كانت تحترم مستمعها. كانت تطلب منه الوقت، والانتباه، وأحيانًا حتى القليل من الصمت. كان بإمكان المرء أن يغلق عينيه ويترك الكلمات تأخذه إلى مكان آخر. كان بإمكان بيت شعر واحد أن يوقظ ذكرى منسية. وكان بإمكان لحن واحد أن يعيد وجهًا اختفى. وكان بإمكان صوت واحد، بمفرده، أن يجعل الحنين ملموسًا تقريبًا. وراء هذه الأغاني، كان هناك غالبًا شعراء ومؤلفون، رجال ونساء، يعملون على صقل اللغة بصبر، كما يعمل الحرفي على صقل مادة ثمينة.
اليوم، يبدو أن شيئًا ما قد ضاع في الطريق. فجزء من الإنتاج الموسيقي المعاصر يعطي أحيانًا انطباعًا بأنه لم يُصمم للاستماع إليه، بل للاستهلاك. بضع كلمات تُكرَّر حتى الملل، حلقة إيقاعية يمكن أن تنتمي إلى عشر أغانٍ مختلفة، وصوت مُعدَّل إلى درجة يصبح فيها غير معروف. لم يعد برنامج «أوتو-تون» L’Auto-tune يقتصر على تصحيح الصوت فحسب: بل إنه ينتهي أحيانًا باستبدال شخصية المغني نفسه. ولعل الأكثر حزنًا ليس حتى فقر بعض النصوص، بل العادة التي اكتسبناها في تقبل ذلك. فقد انتقلنا من أغنية يمكننا تذكرها لعقود إلى أغنية ننساها قبل أن ننتهي حتى من الاستماع إليها. في الماضي، كنا نغني عن الحب، والانفصال، والمنفى، والفخر، والألم، والأمل بكلمات قادرة على البقاء بعد زوال عصرها. أما اليوم، فيبدو أن بعض الكلمات كُتبت لملء إيقاع ما بدلاً من التعبير عن فكرة. وبالطبع، لا يعني هذا أن كل الموسيقى الجديدة سيئة، ولا أن ندين جيلاً ما لمجرد أنه يبتكر قواعده الخاصة. لكل عصر موسيقاه ولغته وحساسياته. لكن تغيير الأسلوب لا ينبغي أبداً أن يعني التخلي عن المعايير العالية. فالحداثة لا تحظر الشعر، ولا العمق، ولا العمل على الكلمات.
ما يميز الأغنية عن مجرد منتج صوتي ليس التكنولوجيا، ولا عدد المشاهدات، ولا قوة صوت الجهير. بل هو ما تتركه وراءها عندما تتوقف الموسيقى. كانت الأغاني العظيمة تتمتع بهذه القدرة الغريبة: فهي تستمر في العيش داخلنا بعد النوتة الأخيرة. كانت ترافقنا في أفراحنا، وفراقنا، ورحلاتنا، ووحدتنا. كان بإمكاننا العودة إليها بعد عشرين عامًا ونشعر، في غضون ثوانٍ معدودة، بعودة عالم بأكمله. ربما يكون هذا هو أكثر ما فقدناه ليس الموسيقى، بل الأثر الذي تتركه في الروح. في سعينا الحثيث لجذب الانتباه، نسينا أحيانًا أن الفن الحقيقي لا يسعى فقط إلى أن يُسمع. إنه يسعى إلى أن يُشعر به، ثم يُحتفظ به.
ترجمة من الفرنسية: د. منصور بن عوف عبد الكريم
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش