حين ابتلع الفجرُ آخرَ ومضةِ بارودٍ من ليلةٍ كاملة من الهستيريا الصاخبة، وانقشع دخان الشهب النارية، ولم تتبقَّ إلا أكوامُ الرماد في زوايا الأزقة، خيّم على المدينة صمتٌ رهيب؛ لم يكن صمتَ السكينة، بل صمتَ جثةِ وعيٍ تُساق نحو مثواها الأخير، بعد ليلةٍ أُزهقت فيها روحُ الأمن على يد أطفالٍ خرجوا عابثين، غير مبالين بحرمات البيوت.

◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇

جئتُ اليوم لا لأجلد أحداً بسياط الملامة، بل لأحمل مبضع الفكرة ولأتساءل: عن ليالي عاشوراء التي كانت لحظاتِ طفولةٍ بريئة، (طبلةٍ طينيةٍ بسيطة، ونيرانِ الشَّعَّالَةِ) تصنع في النفوس سعادةً دافئةً ومقبولة.

كيف تحوّلت إلى ساحاتِ طلقاتِ بارودٍ لا تتوقف؟

ومن الذي كتب سيناريو تلك المشاهد المروعة؟

فبين سندانِ رائحةِ طينِ طبلةِ الأمس ومطرقةِ غبارِ بارودِ اليوم... اختنقت روحُ الطفولة.

◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇

وعدتُ لأتساءلَ من جديد: أليست هذه الأيامُ فترةَ امتحاناتٍ حاسمةٍ في جميع الأقسام؟ وأيُّ هيبةٍ تبقى للعلم حين تصبح المفرقعاتُ أعلى صوتاً من الكتب؟ حين يصبح طلابُ العلم تحت حصارٍ سمعي وبصري من رواد الجهل المُقِيت.

ويا ترى أين هي السلطات التي تطارد بائعاً بسيطاً احتل نصف متر فوق الرصيف؟ وتقف اليوم عاجزةً عن تفكيك شبكاتِ تُجَّارٍ حوّلوا الأسواق إلى مستودعاتٍ للذخائر والمتفجرات، يخال معها الغريبُ أننا على وشك حرب.

◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇

وغداةَ الليلةِ المُستباحة؛ تمَّ غزوٌ كاسحٌ للمقابر من زوارٍ راحوا يوزعون الخبزَ والتمرَ والتينَ المجففَ والأموالَ، في طقوس تزاوج فيها الوهم بالموروث بما يظنه البعض قُربىً وديناً

فلا الأحياءُ باتوا في أمان، ولا الموتى نعموا بسكينة الصباح.

◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇

وهكذا تمضي المدنُ نحو صباحاتها المتعبة؛ تكنسُ رمادَ ليلٍ لم تفهم كيف تناثر في كل مكان، وتُحصي خسائرَ ضجيجٍ ظنه البعضُ فرحًا.

لكن الحقيقة المؤلمة ليست في المفرقعات ولا في الدخان… بل في ذلك الاعتياد البطيء على القبح، حتى يصبح الخرابُ طقسًا موسميًا لا يهزُّ أحدًا.

ومع ذلك، ما دام في المدينةِ قلبٌ ينزعج، وقلمٌ يرفض الصمت، فمعنى هذا أن الوعي لم يمت بعد… بل ينتظر فقط من يُزيح عنه الرماد، قبل أن يتحول العبث إلى عادة… والعادة إلى هوية.

◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇

هذا كلامي وهذه أقوالي، في انتظارِ آرائكم التي قد تُنصف الفكرة… أو تُضيء لها ما غاب عنها.